المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : استفسار عن نائب الفاعل


ضفافي
08-01-12, 04:48 PM
السلام عليكم:
السؤال الأول: أين نائب الفاعل في جملة (فُهِم كيف جاء زيد) كيف نقدره؟ وما نوعه: هل هو مفعول به أم ماذا؟
السؤال الثاني: في جملة: (عُلِمَ كيف جاء محمد) أين نائب الفاعل ومفعولي (علم)؟

عبدالعزيز بن حمد العمار
15-01-12, 08:35 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أهلا وسهلا أخي الأستاذ الجليل ضفافيا ومرحبا بك ، أنا سعيد بك مسرور منك أجد في نفسي انشراحا لك ، فأسأل الله أن يديم المحبة ، ويصلح الحال والبال .وكنا قد تحدثنا معا حول مجيء الجملة فاعلة ونائبة عنه ، وبقي أن نحرر هذه المسألة ، وهذا اجتهادي مع قلة البضاعة وتسحب الفكر وكثرة الأعمال وعلمي بعظيم ما أجهله . وأسأل العليم الحكيم أن يزيدنا معا والقارئ علما ننتفع به .
وقبل الجواب أحب أن أوطئ للمسألة ليعم النفع إن وجد . فأقول : يحذف الفاعل لأغراض متعددة يذكرها النحويون في باب نائب الفاعل أو مالم يسم فاعله ،وأنا أتجانف عن ذكرها خشية التطويل، ولأنها ليست محل النظر ، وإذا حذف الفاعل فإنه ينوب عنه أشياء منها :
المفعول به ، والجار والمجرور على الأصح ، والمصدر بشروطه ، واختلف النحويون في نيابة الجملة عن الفاعل ، وهذا هو مكان السؤال : فهل يجوز أن تنوب الجملة عن الفاعل ؟!
فأجيب راجيا الله جل في علاه أن يوفقنا للصواب ، ويلهمنا الرشاد ، ويزيدنا من فضله علما وأدبا وعملا ينفعنا في الدنيا والآخرة يزلف إلى مرضاته ، ويدخلنا في مستقر رحمته . فأقول : أكثر البصريين لا يجيزون مجيء الفاعل ونائبه جملة ، وسبب ذلك أن الفاعل يكون ظاهرا ومستترا ، والجملة لا يجوز أن تستتر ، وكذلك يأتي الفاعل مفردا ومثنى وجمعا ، والجملة لا يجوز أن تثنى ، ولا يجوز أن تجمع ؛ ولذلك منع جمهور البصريين وبعض الكوفيين مجيء الفاعل ونائبه جملة قال أبو علي الفارسي ( البغداديات ص 525 تح صلاح الدين السنكاوي ) : " اعلم أن الفاعل لا يجوز أن يكون جملة ، ولا يجوز في الجمل أن تقام مُقام ما يجري مجرى الفاعل ؛ لأن الفاعل يكْنى عنه ، فلا يجوز قيام الجمل مقامه ، لأنك لو فعلت ذلك للزمك إضمارها ، وليس لها إضمار " .
ومعنى قول أبي علي ( يكنى ) أي يضمر بمعنى يكون ضميرا . فهذا هو رأي البصريين كما ترى ، ووافقهم عليه بعض الكوفيين ، وما جاء من الشواهد ما ظاهره وقوع الجملة فاعلة أو نائبة عنه أولوها ، فمثلا في قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ) يرى البصريون أن نائب الفاعل في الآية مصدر محذوف تقديره : ( قول ) كما قدروا الفاعل مصدرا في قوله تعالى : ( ثم بدا لهم من بعدما رأوا الآيات ) وهو: ( بداء) ، وكذلك قدر أبو علي الفارسي في ( الحجة 5/ 219 تح بدر الدين قهوجي وزميله ) نائب الفاعل مصدرا محذوفا في قوله تعالى : ( فلما أتاها نودي يا موسى ) بقوله : " وينبغي أن يكون في (نودي) ضمير يقوم مقام الفاعل ؛ لأنه لا يجوز أن يقوم واحد من قولك : (يا موسى) ، ولا ( إني أنا ربك ) مقام الفاعل لأنها جمل ، والجمل لا تقوم مقام الفاعل "
فإن قال قائل : ابن هشام في المغني ( 5/ 120 تح د. الخطيب ) يرى أن قوله تعالى : ( لا تفسدوا ) نائب فاعل ، فكيف نوفق بين قوله وما ذكرتَ ؟
فجواب هذا : أن ابن هشام يرى قوله تعالى : ( لا تفسدوا ) جملة محكية فهي في تقدير المفرد عنده ، لأنه جعل الجملة حكاية كما نقول : لا إلا إلا الله كنز . فإننا نعربها :
لا إله إلا الله : مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بالحكاية .
كنز : خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره . والجملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب .
فهذا سبيل رأي ابن هشام ، وكذا كل ما جاء على منواله مما أوله البصريون .
وعلى هذا التخريج ينسجم مقال ابن هشام مع البصريين ، وله تفصيل واختيار سيأتي قريبا بحول الله وتوفيقه .
فإن قال قائل : ولماذا لجأ البصريون إلى هذا التأويل والبعد في التقدير ؟
فالجواب هو : أنهم لا يجيزون وقوع الفاعل ونائبه جملة للعلة التي سلفت ؛ ولهذا لجؤوا إلى هذا التقدير .
وإذا تقرر ما سلف فإن المثالين غير جائزين عند أكثر البصريين وبعض الكوفيين للعلة المذكورة والنصوص المعروضة .
ويرى هشام بن معاوية الضرير وأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب (وهما كوفيان ) ومن وافقهم من البصريين والكوفيين أنه يجوز أن يكون الفاعل ونائبه جملة على كل حال ودون قيد قال ابن هشام ( المغني 5/ 117 تح د. الخطيب ) : " قال هشام وجماعة : يجوز ذلك في كل جملة نحو : يعجبني يقوم " .
ورأيهم فيه بحث ، وهو على كل حال مبني على أصل من أصول الكوفيين وهو احترام السماع، و القياس عليه وإن قلّ ، ومن شواهدهم على مجيء الفاعل ونائبه جملة قول الشاعر :
ما راعني إلا يسير بشرطة * وعهدي به قينا يفش بكير
والفاعل عندهم جملة ( يسير)
وقول الشاعر :
ما ضر تغلب وائل أهجوتها * أم بلت حين تلاطم البحران
الفاعل عندهم جملة ( أهجوتها )
وقول تعالى : " ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه " والفاعل عندهم جملة ( ليسجننه )
وقوله تعالى : " وتبين لهم كيف فعلنا " والفاعل عندهم جملة ( كيف فعلنا )
وقوله تعالى : " أولم يهد لهم كم أهلكنا " والفاعل عندهم جملة ( كم أهلكنا )
وقوله تعالى : " وإذا قيل لهم لا تفسدوا بالأرض " نائب الفاعل عندهم جملة ( لا تفسدوا )
وقوله تعالى : " وإذا قيل لهم آمنوا " نائب الفاعل عندهم جملة ( آمنوا )
والبصريون يأولون هذه الشواهد كما تقدم ، ويقدرون الفاعل أونائبه محذوفا لئلا يقعوا فيما منعوا . أما هشام الضرير وثعلب ومن وافقهم فقاسوا على ما سمعوا من فصيح العربية ، - وأنت خبير أن السماع من أدلة النحو - فأجازوا ذلك ،وعليه فالمثالان صحيحان عندهم ، فالجملة الأولى ( فهم كيف جاء زيد) تكون جملة ( كيف جاء زيد ) فعلية في محل رفع نائب فاعل .وفي المثال الثاني جملة ( علم كيف جاء محمد ) في محل رفع نائب فاعل سادة مسد المفعولين ، وجاز هذا لأن الجملة المعلقة في تأويل مصدر قال الرضي ( شرح الكافية 4/ 153 تح أحمد السيد ) : " فالجملة مع التعليق في تأويل مصدر "
وأما الفراء وجماعة من النحويين فلا يجيزون وقوع الجملة فاعلة و نائبة عنه – والفراء من رؤساء الكوفية كما تعلم - إلا إذا كان العامل فعلا قلبيا قد عُلق عن العمل نحو : عُلم أقام عبدالله أم زيد . نص على ذلك أبو حيان الأندلسي في ( البحر المحيط1/46 ) قال : " ومذهب الفراء وجماعة أنه إن كانت الجملة معمولة لفعل من أفعال القلوب ، وعلق عنها جاز أن تقع في موضع الفاعل أو المفعول الذي لم يسم فاعله وإلا فلا " وقال أبو حيان في ( التذييل 6/252 تح هنداوي ) قال : " وأما باب ظن فاختلفوا في جواز إقامة الثاني .... فإن عدم المفعول الأول ، وبقيت الجملة فمقتضى مذهب الكوفيين جواز ذلك ،فتقول : علم أيُّهم أخوك ".
فالعامل ( علم ) وهو من أفعال القلوب ، وجملة ( أقام عبدالله ) علقت عن العمل بالاستفهام . وعليه تكون الجملة الأولى ( فُهم كيف جاء زيد ) غير جائزة عند الفراء ومن وافقه ؛ لأن العامل ليس من أفعال القلوب ، وتكون الجملة الثانية أعني ( عُلم كيف جاء زيد ) "كيف جاء زيد "على رأي الفراء في محل رفع نائب فاعل سادة مسد المفعولين . وقد عزي هذا الرأي لسيبويه أيضا ، وعزاه لسيبويه غير واحد من النحويين منهم العنابي ( الحلل ص51 تح د. إبراهيم أبو عباة ) والسيوطي ( الهمع 2/ 272 تح د.عبدالعال مكرم) بيدأنني لم أقف على نص سيبويه فيما نحن بصدده ، وسأنظر في الكتاب عسى الله أن يفتح على بصيرتي ومن يقرأ . وممن وافق الفراء من البصريين أبو سعيد السيرافي في( شرح الكتاب 1/47 تح د.رمضان عبدالتواب وزميله ) وابن النحاس في ( الكلام على تفصيل إعراب قول سيبويه ص19 تح د. حاتم الضامن ) وقد اكتفيت بالإحالة خشية الإطالة والإملال ، فعد إليها جعل الله التوفيق طريقك والفلاح أليفك ومن يقرأ وعنا معك :)
وقد رد أبو علي الفارسي على السيرافي دون أن يصرح بالسيرافي - وهي من عادته - " قائلا ( البغداديات ص 369 تح صلاح الدين السنكاوي) : " فكما لا يجوز عُلم ضَرَبَ زيدٌ ، و عُلم كيف زيد على أن تقيم الجملة مقام اسم الفاعل كذلك لا يجوز أن يقام ( ما الكلم ) مقام فاعل الفعل المبني للمفعول "
وردُّ الفارسي على السيرافي يدل على أن الفارسي متمسك برأي البصريين لا يجيز وقوع الجملة فاعلة أو نائبة عنه ، وقد أوقفتك على نصه قبلا في البغداديات . وعلق ابن هشام ( المغني 5/ 118 تح د. الخطيب) على رأي الفراء قائلا : " وبعدُ فعندي أن المسألة صحيحة، ولكن مع الاستفهام خاصة " وهذا نص قاطع على موافقة ابن هشام للفراء فيما نظّره ، وهو الذي أرجحه أيضا .
فإن قال قائل : ولم لا تكون (كيف) في قولنا : ( فُهم كيف جاء زيد ، و عُلم كيف جاء زيد ) هي من تنوب عن الفاعل ، ونخلص من هذا الجدل بأيسر طريق ؟
فجواب هذا السؤال : أن أدوات الاستفهام لها حق الصدارة في الكلام بمعنى أنه لا يعمل فيها عامل قبلها ، وإنما يعمل فيها ما بعدها قال سيبويه ( الكتاب 2/ 128 تح هارون ) : " فمعنى أين في أي مكان ، وكيف على أية حالة . وهذا لا يكون إلا مبدوءا به قبل الاسم ؛ لأنها من حروف الاستفهام "
وقال أبو الحسن الرماني ( شرح الكتاب 1/ 522 تح د. محمد شيبة رسالة دكتوراه ) : " الذي يجوز في الحروف التي تمنع العامل مما قبلها إذا كان لها صدر الكلام أن تقطع العامل عن أن يعمل فيما بعدها ؛ لأن عملها فيما بعدها يخرجها عن أن يكون لها صدر الكلام، ولا يجوز أن يعمل العامل الذي بعدها فيما قبلها ، لأنه بمنزلة عمل العامل فيما بعدها ، ولكن يجوز أن يعمل ما بعدها فيها ؛ لأنها لم تخرج عن الصدر في اللفظ "
والظاهر أن الفراء والكسائي يوافقان البصريين في المنع باستثناء شرط الفعل القلبي وتعليقه عن العمل ، ففي هذه الحالة يجيز الفراء مجيئه جملة كما سلف، ففي المثال : (جُعل يقوم ) يرى الكسائي أن نائب الفاعل ضمير الشأن محذوف في حين يرى الفراء أن الفاعل محذوف ؛ لأنه استغني عنه ، ولم يجعلا جملة ( يقوم ) نائبة عن الفاعل ، وهذا ما جعل ابن النحاس يتعجب أيضا قائلا ( شرح المقرب 1/ 272 تح خيري عبداللطيف ) : " وعجبت كيف لم يقولا إذا قلت : ( جُعل يقول) . إن ( يقول ) مع فاعله في موضع مفعول لم يسم فاعله ، لأن من مذهبهم جواز كون الفاعل جملة " . والذي أراه في نص ابن النحاس هذا أنه – رحم الله علماءنا الأجلاء - لم يحرر رأي الكوفيين في المسألة في شرح المقرب ؛ فنص الفراء واضح بعدم جواز مجيء الجملة فاعلة أو نائبة عنه إذا لم تعلق عن العمل ، والله أعلم .
وارجع لابن النحاس في شرح المقرب 1/ 272 تح خيري عبداللطيف ، والشاطبي في المقاصد 3/7 تح د. عياد الثبيتي ، والرضي في شرح الكافية 1/191 تح أحمد السيد ، وأبو حيان في الارتشاف 3/ 1326 تح د. عثمان رجب وزميله .
وهذ أيضا يدل على أن الكوفيين مختلفون في المسألة كما ترى . وملخص قولِ الفراء أن نقول مقالة أبي حيان في ( التذييل 6/252 تح هنداوي ) : " وأما باب ظن فاختلفوا في جواز إقامة الثاني .... فإن عدم المفعول الأول ، وبقيت الجملة فمقتضى مذهب الكوفيين جواز ذلك ،فتقول : علم أيُّهم أخوك "
وعليه فجملة ( عُلم كيف جاء زيد ) في المثال المسؤول عنه في محل رفع نائب فاعل .
ونلخص الحديث حول جملة ( علم كيف جاء محمد ) فنقول :
إذا كان العامل من باب ظن وعلق عن العمل بالاستفهام فالراجح جعل الجملة معمولة له في الموضع ، وهذا رأي الفراء ووافقه عليه أبو سعيد السيرافي في شرح الكتاب 1/47 ،وابن الضائع في شرح الجمل ، ابن النحاس في الكلام على تفصيل إعراب قول سيبويه ص17 تح د. حاتم الضامن ، و أبوحيان الأندلسي في منهج السالك ص117 ط أضواء السلف، وابن هشام في المغني 5/ 118 تح د. الخطيب ، وهو ما أراه راجحا بعد هذا النظر .
ونختم الحديث بآراء النحويين فنقول :
- منع أكثر البصريين وبعض الكوفيين مجيء الفاعل ونائبه جملة .
- أجاز هشام بن معاوية الضرير وأحمد بن يحيى ثعلب وجماعة مجيء الفاعل ونائبه جملة دون قيد .
- أجاز الفراء وجماعة من البصريين والكوفيين مجيء الفاعل ونائبه جملة إذا كان العامل فعلا قلبيا معلقا عن العمل بالاستفهام خاصة ، ومنعوه إن لم تتحقق الشروط . وهو الراجح .
هذا، وأسأل الله العلي القدير أن يوفقنا للصواب ، وأن يزيدنا علما وفهما وأدبا ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته