المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح معلقة عنترة الفلحاء


د.حسين حسن طلافحة
04-09-09, 04:36 PM
الحمد لله على أفضاله على محمد وآله، أما بعد، فهذا شرح لطيف بديع أشرع به ل "معلقة عنترة"، ويشرفني أن أدعوكم سيداتي وسادتي إلى التفضل بما لديكم، ولعل في هذا خيرًا كبيرًا للغتنا الشريفة، حماها الله وحَفِظَها ممن يكيد لها، فهي لغة الجمال والفصاحة.


البيانات الشخصية
القبيلة: عبس العدنانية؛ أي من عرب الشمال.
تاريخ الميلاد: 530م
الوفاة: توفي نحو سنة 600م؛ أي قبل الهجرة باثنتين وعشرين سنة.
العمر:70 سنة
الحالة النفسية : نشأ عبدًا مغمورًا ولم يعترف به أبوه إلا متأخرًا.
اسم الأم: زبيبة، وهي جارية سوداء.

المؤهلات العلمية:

دكتوراه شعر جامعة الشعراء الفرسان – كلية الآداب
التخصص: شعر الفخر والحرب
التقدير: ممتاز
عنوان الأطروحة: المذهبة

ماجستير جامعة الشعراء الفرسان – كلية الآداب
التخصص: شعر الفخر والحرب
التقدير: ممتاز
عنوان الرسالة: قصيدة "لا يحْمِلُ الحِقْدَ مَنْ تَعْلُو بِهِ الرُّتَبُ".

بكالوريوس جامعة الشعراء الفرسان – كلية الآداب
التخصص: شعر الفخر والحرب
التقدير: ممتاز

الخبرة العملية:
1-يوم "الفروق" حيث اصطدمت عبس بتميم ودارت رحى الحرب بينهما فأقدم عنترة في هذه المعركة وقتل معاوية بن نزال وافتخر بقومه حين قال: "كنا مائة لم نكثر فنتّكل ولم نقلّ فنذّل".
2-معركة "ذات الجراجر" بين ذبيان وحليفاتها من جهة وبين بني عبس من جهة أخرى ودام القتال يومين، وقد أظهر عنترة في هذه الحرب شجاعة لا توصف.

اللغة
كان عنترة شاعرًا مجيدًا فصيح الألفاظ، بيِّن المعاني نبيلها. كان كأنما الحماسة أنزلت عليه آياتها. وكان رقيق الشعر. لا يؤخذ مأخذ الجاهلية في ضخامة الألفاظ وخشونة المعاني.

الفرس
1- دورة شاملة في ركوب الخيل.

3-دورة في فن الحرب والقتل.



معلومات أخرى:

شجاعته: الحطيئة: "كان فارسنا عنترة نحمل إذا حمل، ونحجم إذا أحجم". وكان قد حضر حرب داحس والغبراء، وحسن فيها بلاؤه وحُمدت مشاهده.
خلقه:
سهل الأخلاق، لطيف الحاضرة.


المعرفون:

عبد القادر البغدادي (خزانة الأدب).
علي بن الحسين الأصبهاني (الأغاني).

د.حسين حسن طلافحة
04-09-09, 08:38 PM
الأفكار الرئيسية:أ-الوقوف على أطلال "عبلة". (1-5)


ب- الظعن (الرحلة). (6-12)

ج- الغزل وغيره. (13-32)

(د)-قتله زوج المرأة الحسناء (33-38)
قتله الفارس المدجج (39-42)
قتله شيخ القبيلة، وغيره (43-56)
مقاتلته القوم، وغيره (57-67)

أحمد الغنام
04-09-09, 09:05 PM
مدخل فيه التجديد دكتورنا الفاضل ، شوقتنا إلى المزيد بارك الله لك.
ننتظر فارسنا وشاعرنا ..

عبد المنعم السيوطي
05-09-09, 07:06 AM
حياك الله أستاذذنا الدكتور حسين الطلافحة ،
معكم نستمع بتلك المسمطة .

د.حسين حسن طلافحة
05-09-09, 09:34 PM
أ-الوقوف على أطلال "عبلة". (1-5)

1-هَلْ غَادَرَ الشّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الدّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ
لم يترك الشعراء؛ ابنُ خذام، وامرؤ القيس وغيرُه، طللاً، إلا قالوا وغنَّوا شعراً فيه ، ثم يُضرب بـ"بل"(1) ويسأل نفسه: أعرفت يا "عنترة" الدار أو الطلل؛ فاخترعت طللاً، غير مكرور كأطلال الشعراء السابقين. إذن، استطاع عنترة أن يتقيد بما درج عليه الشعراء السابقون، ولم ينل هذا إلا بشق النفس وبذل الجهد. ولهذا قال في تعجبهً "بَعْدَ تَوَهُّمِ".

2-يَا دَارَ عَبْلَةَ بِالْجِوَاءِ تَكَلَّمِي وَعِمِي صَبَاحًا دَارَ عَبْلَةَ وَأسْلَمِي
يخاطب دار عبلة فيقول: يا دار حبيبتي (بالمواضع المنخفضة قليلا)(2)، ثم يطلب من دار حبيبته أن تكلمه عن أهلها ما فعلوا ؛ وهو جانب نفسي يشير إلى أن صاحبة المكان لم ترحل، ثم يحييها تحية الصباح "عِمِي صباحاً"، و"وأسلمي" كما نقول بالعاميَّة لمن نوادُّه ونعشقه "تِسلم" بكسر التاء؛ أي سلمت لمدى الحياة.

الصورة الفنية:
استعارة: تكلمي
إيقاع موسيقي: تكلمي-وأسلمي
3-فَوَقَفْتُ فِيها نَاقَتي وكَأَنَّها فَدَنٌ لأَقْضِيَ حَاجَةَ الْمُتَلَوِّمِ
وقفت ناقتي في دار حبيبتي؛حتى أخفف عن نفسي حزني ولومي لنفسي.

الصورة الفنية
المشبه: الناقة
أداة التشبيه: كأنَّ
المشبه به: القصر
نوع التشبيه: مرسل مجمل (لأنه ذكر الأداة، ولم يذكر وجه الشبه، وهو الطول والضخامة).

4-وَتَحُلّ عَبْلَةُ بالْجِوَاءِ وَأَهْلُنَا بالْحَزْنِ فَالصَّمَانِ فَالْمُتَثَلَّمِ
يقول: حلت عبلة بمواضع منخفضة قليلاً، ليست بالأولى التي كانت تسكنها؛ فابتعدت عنه، بعدما كانت قريبة منه، فأهله يسكنون "الحزن"، و"الصَّمان"، و"المُتلّثم"؛ وهي مناطق صعبة الاجتياز، بعيدة كلَّ البعد عن جِواء نجد.

5-حُيّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ أقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمّ الْهَيْثَمِ
حييت يا دار عبلة بتحيتي السابقة "وَعِمِي صَبَاحًا دَارَ عَبْلَةَ وَأسْلَمِي"، مع أنك دار "تقادم عهدها بأهلها، ومن الأهل حبيبته"، فحبي لعبلة يجبرني على تحيتكِ. وإن هذا الطلل خلا وخلا –تأكيداً- بعد ارتحال أم الهيثم منه، وهي عبلة، ولو بقي حتى بسكانه.


(1) قال عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري: الوجه الثاني لـ"أم" أن تكون منقطعة، وهي ثلاثة أنواع مسبوقة بالخبر المحض نحو: "تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه"، ومسبوقة بهمزة لغير استفهام نحو: "ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها"؛ إذ الهمزة في ذلك للإنكار، فهي بمنزلة النفي والمتصلة لا تقع بعده، ومسبوقة باستفهام بغير الهمزة نحو: "هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور".

(2) قوس؛ لأنها معلومة زائدة لهدف موسيقى، ولا فائدة لذكرها في هذا السياق، فالمهم أنه وقف على أطلال عبلة، وخاطبها، وكلمها، وحيّاها.

ملحوظة: من قوانين نظم "المعلقات"، أن يستطيع الشاعر أن يخترع طللاً، فإن لم يستطع، فشعره لن يدخل فيما يسمى "المعلقات".


أيّها الإخوة، من أراد أن يقف على أطلال "عبلة" فليقف معي هنا في ضفاف. تفضلوا

د.حسين حسن طلافحة
07-09-09, 01:43 AM
ب- الظعن (الرحلة). (6-12)

6-حَلّتْ بِأَرْضِ الزَّائِرِينَ فأصْبَحَتْ عَسِرًا عَلَيّ طِلابُكَ ابنَةَ مَخْرَمِ
يقول: حلت عبلة بأرض الغابرين، ثم يتصور ابنة عمّه أمامه ويخاطبها: ما أصعب أن أصل إليك يا ابنة عمّي "مخرم"

7-عُلّقْتُهَا عَرَضًا وَأَقْتُلُ قَوْمَهَا زَعْمًا لعَمْرُ أبيكَ لَيسَ بِمَزْعَمِ
عشقتها فجأة من غير قصد مني، وهذا لا يعيبه أحد، ولكن الذي يُعاب هو قتالي لقومها، ومعاداتي لهم، ثم يقول: أطمع في حبك طمعاً وبحياة أبيك (الجاهلية الأولى)، ليس بمطمع؛ فهو أعلى مطمع طُمع، فلا يساويه مطمع آخر.

8-وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلَا تَظُنِّي غَيْرَهُ مِنِّي بِمَنْزِلَةَ الْمُحَبِّ الْمُكْرَمِ
يؤكد بـ"اللام"، ويحقق بـ"قد والفعل الماضي بعدها"، نزولها منه منزلةَ المحبوب المُكرَمِ، لذلك قال: فلا تظني غيره واقعاً(1).

9-كَيْفَ الْمَزَارُ وَقَدْ تَرَبّعَ أَهْلُهَا بِعُنَيْزَتَيْنِ وَأَهْلُنَا بِالغَيْلَمِ
التربُّع: الإقامة زمن الربيع
يقول: كيف أزورها وقد أقامت مع أهلها بعنيزتين؛ وهما عنيزة القصيم وبريدة القصيم في السعودية –وهذا الأمر خَفي على ياقوت في معجم البلدان ولم يخف علينا، والحمد لله-. وقد أقام أهلي زمن الربيع "بالغيلم"، وهذا ما خفي علينا وعلى ياقوت، ولكنه موضع بعيد عن عنيزة وبريدة(2).
10-إِنْ كُنْتِ أَزْمَعْتِ الفِرَاقَ فَإِنَّمَا زُمّتْ رِكَابُكُمُ بِلَيْلٍ مُظْلِمِ
إن كنت وطنت نفسك على الفراق، فالأمر بان لي عندما زُمت إبلكم بأزمَّة السفر، بهذا الليل الأسود.
11-مَا رَاعَنِي إِلَّا حَمُولَةُ أَهْلِهَا وَسْطَ الدّيارِ تَسَفّ حَبَّ الْخِمخِمِ
ما أفزعني إلا إبل أهلها يُحمل عليها المتاع، وسط الديار، تأكل نبات الخِمخِم ويروى بضم الحائين المهملتين(الخُمخُم) ذي الحب الأسود؛ فهي منتجعة، وبعد الانتجاع سترحل وأهلها.


12-فِيهَا اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً سُودًا كخافِيَةِ الغُرَابِ الأَسْحَمِ
في هذه الإبل (42) تحلب، ألوانها سوداء، كخافية الغراب الأسود، وهي ما خَفيَ تحت جناحه، وبهذا تكون أشد سواداً من الجناح الأسود. ذكر سوادها؛ لكي يقرب اللون الأسود (لونه) للأبيض (لون عبلة)، فهذه الإبل أنفس الإبل وأعزها عندهم؛ ولأن عنترة أسود اللون لدرجة كبيرة شبهها أقصد الإبل بـ" كخافِيَةِ الغُرَابِ الأَسْحَمِ"، كما كانت العرب تضرب المثل بسواد الغراب ومن أمثالهم: هو أشد سواداً من حنك الغراب.
(1) حذف مفعول "ظنَّ" بدليل، فالمفعول الأول "غيرَه"، والثاني محذوف تقديره "واقعاً".
(2) أرجو من السعوديين إبداء رأيهم، في تفسيرنا لـ"عنيزتين".

د.حسين حسن طلافحة
07-09-09, 01:46 AM
ملحوظة: عنترة مصاب بحالة نفسيّة خطيرة. فهو مريض مرضاً عصابياً، ويظهر لي أنه وصل به إلى حد "الهلوسة" –لفظة قبطية-؛ لقد شاهدناه أولاً يخترع طللاً لعبلة، ويجعل عبلة راحلة عنه، ويجلس على آثاره الباقية، يخاطب الدار ثم يُوقف ناقته فيها؛ ليخفف من حزنه الذي أصابه لرحيلها–الذي اخترعه-، ثم يبيِّن محل عبلة بعد مرتحها، وهو الجِواء، وهكذا كلما ذكر ارتحالها عاد كالمصروع يحاول أن يجد ما يسليه، فيعود لمخاطبة الديار ويحييها، ثم يبدأ بالظعن ويقول: إنها حلت بأرض الغابرين، ثم يجعلها أمامه ليخاطبها، فلم يعد يصبر على هذه الدار التي لا تنطق بشيء: أنا أحِبُكِ كثيراً، أنت مني بمنزلة المُحب المكرَم، فلا تردُّ عليه –طبعاً- فهو يتخيلها تخيلاً، ثم يعود إليه عقلُه، فيسأل سؤالاً منطقياً حقيقياً "كَيْفَ الْمَزَارُ وَقَدْ تَرَبّعَ أَهْلُهَا بِعُنَيْزَتَيْنِ وَأَهْلُنَا بِالغَيْلَمِ"، ثم يعود ليبيّن عملية "الغدر الليلي"، وكيف تمت عملية "الظعن"، -التي اخترعها – أرأيتم أيها الإخوة، ألا ترون أن عنترة أصيبَ بحالة "هستيرية"، فقال "إِنْ كُنْتِ أَزْمَعْتِ الفِرَاقَ فَإِنَّمَا"، وكان أشد تخبطاً من امرئ القيس الذي مرت عليه هذه الحالة من قبل ألا تذكرون قوله: "وإن كنتِ قد أزمعتِ صَرْمِي فأجْمِلي"


وإذا نظرنا في أي كتاب طبي عن الهراع أو "الهستيريا" لوجدنا أن من سمات الشخصية "الهستيرية" العاطفة الزائدة (ظاهرة في شعره)، وحب المجاملة والمواساة (وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلَا تَظُنِّي غَيْرَهُ مِنِّي بِمَنْزِلَةَ الْمُحِبِّ الْمُكْرَمِ)، وتقلب المزاج (ظاهرة في انتقالاته من معنى إلى معنى، ومن موضوع إلى موضوع)، وعدم التحكم في الانفعالات (فهو لا يجيد ضبط نفسه ولو لفترة)، والسذاجة (فقد اخترع شيئاً وبكى عليه، وقد ربط الناقة عند الطلل، وهو أمر لا يفيد، وهو يدّعي أنه يقضي حاجة المتلوم). وحب الظهور والاستعراض (قتله زوج المرأة الحسناء، والفارس المدجج، وشيخ القبيلة)، والمبالغة والتهويل والاستغراق في الخيال (مقاتلته لقوم)، والسلوك يكون اقرب إلى التمثيل والاستعراض والتكلف والاندفـاع، والاستعداد لتكثيف الانفعالات وتحويلها إلى أعراض جسمية (فهو يدخل بالمعركة مندفعاً منفعلاً، والرماح في فرسه كحبال البئر "يَدْعُونَ عَنْتَرَ والرِّمَاحُ كَأَنَّهَا أَشْطَانُ بِئْرٍ فِي لَبَانِ الأَدْهَمِ"، حتى إنه يقول عن فرسه : " لَوْ كَانَ يَدرِي مَا الْمُحَاوَرَةُ اشْتَكَى وَلَكَانَ لَوْ عَلِمَ الكَلَامَ مُكَلِّمِي".



وأن من أسباب الهراع "الهستيريا"

أ-البيئة والتي تلعب الدور الأكبـر
1- عِيب عليه سواد أمه وإخوته.
2- ولد عبداً أسوداً.
3- ادَّعاه أبوه وألحقه بنسبه مؤخراً.
4- أحب ابنة عمه "البيضاء".


ب-الأسباب النفسية تنحصر في الصراع بين الغرائز و المعايير الاجتماعية، و الصراع الشديد بين ألانا الأعلى بين "الهو" ،والتوفيق عن طريق العرض "الهستيري"، والإحباط وخيبة الأمل في تحقيق هدف أو مطلب (زواجه بعبلة) ، و الفشل و الإخفاق في الحب والزواج (فقد اختار فتاة بيضاء اللون وهو أسود)، و الحرمان وعدم القدرة على رسم خط الحياة.


ج-ومن الأسباب المعجلة أو المباشرة فشل في حب أو صدمة عنيفة (رحيل عبلة عنه).


تفضلوا...

عبد المنعم السيوطي
07-09-09, 04:17 AM
على رسلك يا دكتور حسين !
ما هكذا تورد الإبل !

لقد شاهدناه أولاً يخترع طللاً لعبلة، ويجعل عبلة راحلة عنه، ويجلس على آثاره الباقية، يخاطب الدار ثم يُوقف ناقته فيها؛ ليخفف من حزنه الذي أصابه لرحيلها–الذي اخترعه-، ثم يبيِّن محل عبلة بعد مرتحها، وهو الجِواء، وهكذا كلما ذكر ارتحالها عاد كالمصروع يحاول أن يجد ما يسليه، فيعود لمخاطبة الديار ويحييها، ثم يبدأ بالظعن ويقول: إنها حلت بأرض الغابرين، ثم يجعلها أمامه ليخاطبها، فلم يعد يصبر على هذه الدار التي لا تنطق بشيء: أنا أحِبُكِ كثيراً، أنت مني بمنزلة المُحب المكرَم، فلا تردُّ عليه –طبعاً- فهو يتخيلها تخيلاً، ثم يعود إليه عقلُه، فيسأل سؤالاً منطقياً حقيقياً "كَيْفَ الْمَزَارُ وَقَدْ تَرَبّعَ أَهْلُهَا بِعُنَيْزَتَيْنِ وَأَهْلُنَا بِالغَيْلَمِ"، ثم يعود ليبيّن عملية "الغدر الليلي"، وكيف تمت عملية "الظعن"، -التي اخترعها – أرأيتم أيها الإخوة، ألا ترون أن عنترة أصيبَ بحالة "هستيرية"، فقال "إِنْ كُنْتِ أَزْمَعْتِ الفِرَاقَ فَإِنَّمَا"، وكان أشد تخبطاً من امرئ القيس الذي مرت عليه هذه الحالة من قبل ألا تذكرون قوله: "وإن كنتِ قد أزمعتِ صَرْمِي فأجْمِلي"
هذا هو الشعر هذا هو الشعر ! ودونك دواوين العرب لتعرف أن تلك طريقتهم وهذا نهجهم !!
وإذا نظرنا في أي كتاب طبي عن الهراع أو "الهستيريا" لوجدنا أن من سمات الشخصية "الهستيرية" العاطفة الزائدة (ظاهرة في شعره)، وحب المجاملة والمواساة (وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلَا تَظُنِّي غَيْرَهُ مِنِّي بِمَنْزِلَةَ الْمُحِبِّ الْمُكْرَمِ)، وتقلب المزاج (ظاهرة في انتقالاته من معنى إلى معنى، ومن موضوع إلى موضوع)، وعدم التحكم في الانفعالات (فهو لا يجيد ضبط نفسه ولو لفترة)، والسذاجة (فقد اخترع شيئاً وبكى عليه، وقد ربط الناقة عند الطلل، وهو أمر لا يفيد، وهو يدّعي أنه يقضي حاجة المتلوم). وحب الظهور والاستعراض (قتله زوج المرأة الحسناء، والفارس المدجج، وشيخ القبيلة)، والمبالغة والتهويل والاستغراق في الخيال (مقاتلته لقوم)، والسلوك يكون اقرب إلى التمثيل والاستعراض والتكلف والاندفـاع، والاستعداد لتكثيف الانفعالات وتحويلها إلى أعراض جسمية (فهو يدخل بالمعركة مندفعاً منفعلاً، والرماح في فرسه كحبال البئر "يَدْعُونَ عَنْتَرَ والرِّمَاحُ كَأَنَّهَا أَشْطَانُ بِئْرٍ فِي لَبَانِ الأَدْهَمِ"، حتى إنه يقول عن فرسه : " لَوْ كَانَ يَدرِي مَا الْمُحَاوَرَةُ اشْتَكَى وَلَكَانَ لَوْ عَلِمَ الكَلَامَ مُكَلِّمِي"....
لو طبقنا تلك السمات الهستيرية على شعرائنا ما سلم منها أحد ، فتريث رحمك الله !



لقد شاهدناه أولاً يخترع طللاً لعبلة،
والسذاجة (فقد اخترع شيئاً وبكى عليه، وقد ربط الناقة عند الطلل، وهو أمر لا يفيد، وهو يدّعي أنه يقضي حاجة المتلوم).
عنترة مصاب بحالة نفسيّة خطيرة. فهو مريض مرضاً عصابياً،
ويسأل نفسه: أعرفت يا "عنترة" الدار أو الطلل؛ فاخترعت طللاً، غير مكرور كأطلال الشعراء السابقين. إذن، استطاع عنترة أن يتقيد بما درج عليه الشعراء السابقون، ولم ينل هذا إلا بشق النفس وبذل الجهد. ولهذا قال في تعجبهً "بَعْدَ تَوَهُّمِ".
أقوال فيها نظر عريض ، ثم إنني أرى أن تلك الأقوال كانت نتيجة وقفة عجلى على أبيات عنترة لم توفها شيئا من حقها أو تبين بعضا من جمالها وإتقانها ، إنها معلقة من معلقات الشعر العربي وليست شعرا عاديا .


وأرجو أن يتقبل الدكتور حسين رأيي هذا بصدر رحب وهذا ما عودنا عليه ،
وإن سمح لي بينتُ مقاصد عنترة ومراميه ومردّ أقواله وخلجاته وأنفاسه .

د.حسين حسن طلافحة
07-09-09, 08:18 AM
السلام عليكم، ورحمة الله وبركاته:

جزاك الله خيراً، قال العلماء قديماً: "من قلّ اطِّلاعه كثر اعتراضه، ومن كثُر اطِّلاعه قل اعتراضه، وليس فساد المقالة دليلا على فساد ديانة صاحبها أو سوء نيته"، أما بعد:


لقد قلتُ سابقاً: "كان عنترة شاعرًا مجيدًا، فصيح الألفاظ، بيِّن المعاني نبيلها. كان كأنما الحماسةأنزلت عليه آياتها. وكان رقيق الشعر. لا يؤخذ مأخذ الجاهلية في ضخامة الألفاظ وخشونة المعاني" وقد عرضت له –ولأول مرة- بما يستحقه من ألفاظ، ألم أقل يا "جلمود" إنه "دكتوراه- شعر الفخر والحرب"؟!


ثم بدأتُ بالشرح، وأتوقع أنه أعجبك، ولذلك لم تعترض عليه، وإنما اعترضت فقط على ملحوظتي "عنترة مصاب بحالة نفسيّة خطيرة"، وقد تسرعت في اعتراضك؛ فالشعر هو مجال التعبير عن المشاعر الوجدانية والانفعالية، وسببُ قوله الوجد والاشتياق والعشق والحنين.

إن الشعر يا "جلمود":
1-لغة.
2-مشاعر.
3-تصوير.

فلا يمكن لنا أن نمر على المشاعر مرَّ الكرام، وهي أهم ما في الشعر!



يا "جلمود" لقد خلق الله الإنسان، وجعل فيه المشاعر؛ مشاعر الخوف، والندم، والعطف، والحب حتى العشق، وغيرها، أي إنسان، سواء أكان وثنياً –كعنترة- أم حنيفا مسلماً -كموسى عليه السلام وغيره-، قال تعالى: "{فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً}، يا "جلمود" لا تنسى أن عنترة متعلق بجميلة بيضاء، يعشقها، ويحاول أن يصل إليها بأي طريقة.

"جلمود" إنني أعجب منك وأعجب، عندما استغربت من قولي "هستيرية"، فهذه الحالة التي تخلقها العواطف والمشاعر بمختلف أنواعها، حصلت مع كثيرين لم تعرفهم يا "جلمود"، قال ابن الجوزي أخبرنا المبارك ... عن عكرمة قال إنا لَمع عبد الله بن عباس عشية عرفة إذ أقبل فتية يحملون فتى من بني عذرة قد بلى بدنه وكانت له حلاوة وجمال حتى وقفوه بين يديه ثم قالوا استشف لهذا يا بن عم رسول الله
فقال وما به فترنم الفتى بصوت ضعيف لا يتبين وهو يقول:
بنا من جوى الأحزان والحب لوعة ... تكاد لها نفس الشفيق تذوب
ولكنما أبقى حشاشة معول ... على ما به عود هناك صليب
وما عجب موت المحبين في الهوى ... ولكن بقاء العاشقين عجيب
ثم شهق شهقة فمات
--أرأيت يا "جلمود"، ألم اقل لك إن المشاعر تولد "هستيرية أبدية"، خاصة إذا كانت مشاعر شاعر يجيد رقيق الشعر، ويجعل محبوبته بمنزلة "المُحب المُكرم"-- قال عكرمة فما زال ابن عباس بقية يومه يتعوذ بالله من الحب.


إنني يا "جلمود" انسحب من مناظرتك، وأدع لك خلفي خيراً أرجوه فاستمع له:

قال عكرمة فما رأينا ابن عباس سأل الله في تلك العشية حتى أمسى إلا العافية مما ابتلى به ذلك الفتى.

إنها مشاعر الحب يا "جلمود"!
إنها مشاعر الشوق يا "جلمود"!
إنها مشاعر البعد والفراق يا "جلمود"!


أرأيت يا "جلمود" كل الأدلة تجري لصالحي، أنسيت *مجنون ليلي* الذي ذهب عقله كاملاً، ولم "يهستر" فقط.


أرأيت يا "جلمود" ما أشد العتاب، لقد عاتبتك، وجعلت عكرمة-رضي الله عنه- يعاتبك، فأنت الآن متضايق، فقد جرحت شعورك، أأحسست بذلك! هذا من العتاب!


"جلمود" لم يكن ردك قوياً عندما قلت: " لو طبقنا تلك السمات الهستيرية على شعرائنا ما سلم منها أحد ، فتريث رحمك الله !"

فما كان منه إلا أن آلم شعوري؛ كونه لم يكن رداً علمياً.


"جلمود" هكذا هو منهجي في الشرح، وهذه هي طريقتي، أهم شيء عندي "المشاعر".


أشكرك "جلمود" على معلوماتك:
1-أقوال فيها نظرعريض.
2-ثم إنني أرى أن تلك الأقوال كانت نتيجة وقفة عجلى على أبيات عنترة لم توفهاشيئا من حقها أو تبين بعضا من جمالها وإتقانها.
3-إنها معلقة من معلقات الشعر العربي وليست شعرا عاديا.


أما قولك:"وأرجو أن يتقبل الدكتورحسين رأيي هذا بصدر رحب وهذا ما عودنا عليه"



فهو دليل عليك، " بصدر رحب وهذا ما عودنا عليه"، هذه هو شعوري أن أتقبل رأيك بصدر رحب.

أما قولك:"وإن سمح لي بينتُ مقاصدعنترة ومراميه ومردّأقواله وخلجاته وأنفاسه".

فقد قلتُ سابقاً: "ويشرفني أن أدعوكم سيداتي وسادتي إلى التفضل بما لديكم، ولعل في هذا خيرًا كبيرًاللغتنا الشريفة، حماها الله وحَفِظَها ممن يكيد لها، فهي لغة الجمال والفصاحة".



يا "جلمود" إني أحبك في الله، فلتكن ساكناً هادئاً في حركاتك الجسدانية، وهمومك النفسانية، ومشاعرك الوجدانية، كما كنتُ كذلك.


تحياتي، وشكري، وتقديري، لكل من يشارك معنا في "الوقوف على أطلال عبلة، والسفر في الرحلة".

عبد المنعم السيوطي
07-09-09, 01:38 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ،
بارك الله فيكم ، وقد قال القدماء أيضا : " العلم ثلاثة أشبار من دخل في الشبر الأول تكبر " ، فما أجمل أقوال القدماء !

لقد اعتدت أن أقول رأيي دون مجاملة أو مداهنة ، فقراءة الشعر وتذوقه ليست ضربا من معاني الكلمات وتفسير الألفاظ وتبين الاستعارات والتشبيهات ، إنها ليست ضربا من الظنون والأوهام ، وإنما هي محاولة لكشف مخبوء الشاعر ومستوره من خلال كلماته لا حسب أهوائنا .

وإن تعجب من قولي فالعجب العجاب أن تقول في أول كلامك : "إنني يا "جلمود" انسحب من مناظرتك..." ، ثم تقول في ختامه "فقد قلتُ سابقاً: "ويشرفني أن أدعوكم سيداتي وسادتي إلى التفضل بما لديكم، "!!

أخي الفاضل ، الحوار لا يفسد للود قضية ، فأنا أحترمك وأحترم رأيك رغم كوني أراه رأيا خاطئا لا يستند لقراءة متأنية ولا سبر لأغوار الشاعر ، والمباحثة والمناقشة لا غبار عليها ما دامت في إطارها .

ولذا فاسمح لي أن أعرض وجهة نظري تجاه ما قدمته من شرح للأبيات بصراحة شديدة وباحترام لك ولرأيك ، وسأعرض لنموذجين فقط للتمثيل لا الحصر :
1-هَلْ غَادَرَ الشّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الدّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ
لم يترك الشعراء؛ ابنُ خذام، وامرؤ القيس وغيرُه، طللاً، إلا قالوا وغنَّوا شعراً فيه ، ثم يُضرب بـ"بل"(1) ويسأل نفسه: أعرفت يا "عنترة" الدار أو الطلل؛ فاخترعت طللاً، غير مكرور كأطلال الشعراء السابقين. إذن، استطاع عنترة أن يتقيد بما درج عليه الشعراء السابقون، ولم ينل هذا إلا بشق النفس وبذل الجهد. ولهذا قال في تعجبهً "بَعْدَ تَوَهُّمِ".
1ــ كان ينبغي الوقوف عند كلمة متردم ، لتبين مقصود الشاعر منها ، بل وإبراز جمالها وتفضيل الشاعر لها دون غيرها.
2ــ لو جمعت الروايات المختلفة للمعلقة لوقفت على المعنى الصحيح لقصد الشاعر من قوله (بعد التوهم) ، فقد جاء بعد هذا البيت أبيات أخرى في بعض الروايات تبين معنى التوهم ، ولعرفت أيضا أن قوله هذا لا علاقة له بما استنتجته( ولم ينل هذا إلا بشق الأنفس وبذل الجهد ).
3ـ حدثتنا عن ان الشعر لغة ومشاعر وتصوير ، ثم لم نرك تتوقف عند أي منهم ، فلم تحدثنا عن مشاعر عنترة وهو يقول هذا البيت والعاطفة المسيطرة عليه ، بل لم تتوقف عند لغته وجمالها وأسرار التراكيب وروعتها !!!
4ــ قلت :ويسأل نفسه: أعرفت يا "عنترة" الدار أو الطلل؛ فاخترعت طللاً، غير مكرور كأطلال الشعراء السابقين" فما معنى هذا الكلام ! هل عنترة يسأل نفسه ويقول : "... فاخترعت طللا " !!

3-فَوَقَفْتُ فِيها نَاقَتي وكَأَنَّها فَدَنٌ لأَقْضِيَ حَاجَةَ الْمُتَلَوِّمِ
وقفت ناقتي في دار حبيبتي؛حتى أخفف عن نفسي حزني ولومي لنفسي.

الصورة الفنية
المشبه: الناقة
أداة التشبيه: كأنَّ
المشبه به: القصر
نوع التشبيه: مرسل مجمل (لأنه ذكر الأداة، ولم يذكر وجه الشبه، وهو الطول والضخامة).
هذا الاسلوب في العرض أسلوب مدرسي تلقيني لا يفيد القارئ شيئا ، ولا يشعره بمتعة الشعر ولذته ، بل ولا يساعده على التذوق والتأمل ، فماذا استفدنا من تبيين أركان التشبيه ونوعه وتقسيماته المنطقية ! إن القارئ يريد من يحدثه عن جماليات هذا التشبيه وقوة تأثيره ، يريد من ينثر له هذا التشبيه في أسلوب أدبي خلاب ، يريد من يبين له أسباب تفضيل الشاعر للمشبه به دون غيره من الصور المحتملة .

هذا وقد أردت أن أبين ــ من خلال النموذجين ــ أن قراءة الشعر قراءة غير متأتية ولا متأملة تفضي إلى تلك الظنون الواهية .

أمة الله الواحد
07-09-09, 01:54 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وكأني أرى أحداث المُعلقة تمرّ أمام ناظري في مشاهد متتالية شديدة البيان للتفاصيل ، قوية التركيز على مُكونات الصورة ، فضلا عن نقل المشاعر المسيطرة على بطل الأحداث فكأنها سرت فيّ كما سرت فيه .


يا لجمال الشرح والتحليل ، وياللتشويق الذي يسيطر على حرفكم أستاذ حسين حتى أشعر كأني أقرأ المعلقة لأول مرة .


الأستاذ الدكتور / حسين طلافحة

أكمل لأكمل معك متابعة الأحداث ، بهذا الأسلوب الراقي في التحليل والذي يُفيدني على المستوى الشخصي في تناول النصوص الشعرية .

جزاكم الله خيرا .

د.حسين حسن طلافحة
07-09-09, 06:02 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وكأني أرى أحداث المُعلقة تمرّ أمام ناظري في مشاهد متتالية شديدة البيان للتفاصيل ، قوية التركيز على مُكونات الصورة ، فضلا عن نقل المشاعر المسيطرة على بطل الأحداث فكأنها سرت فيّ كما سرت فيه .


يا لجمال الشرح والتحليل ، وياللتشويق الذي يسيطر على حرفكم أستاذ حسين حتى أشعر كأني أقرأ المعلقة لأول مرة .


الأستاذ الدكتور / حسين طلافحة

أكمل لأكمل معك متابعة الأحداث ، بهذا الأسلوب الراقي في التحليل والذي يُفيدني على المستوى الشخصي في تناول النصوص الشعرية .

جزاكم الله خيرا .


جزاك الله خيراً يا "أمة الله الواحد" على حسن مشاركتك معنا.

د.حسين حسن طلافحة
07-09-09, 08:02 PM
كيف المزار وقد تربع أهلها بعنيزتين وأهلنا بالغيلم

شرحي المتواضع:
التربُّع: الإقامة زمن الربيع
يقول: كيف أزورها وقد أقامت مع أهلها بعنيزتين؛ وهما عنيزة القصيم وبريدة القصيم في السعودية –وهذا الأمر خَفي على ياقوت في معجم البلدان ولم يخف علينا، والحمد لله-. وقد أقام أهلي زمن الربيع "بالغيلم"، وهذا ما خفي علينا وعلى ياقوت، ولكنه موضع بعيد عن عنيزة وبريدة.


شرح الشنقيطي في كتابه "شرح المعلقات العشر":

استظهر ياقوت أنهما موضع واحد، والغيلم اسم موضع.




شرح الشيباني في كتابه "شرح المعلقات التسع"

عنيزتين والغيلم موضعان يقول كيف أزورها، وقد بعدت عني، وتعذرت زيارتها، والمزار مرفوع بالابتداء على مذهب سيبويه، وبالاستقرار على مذهب غيره".



شرح الزوزني في كتابه "شرح المعلقات السبع"
يقول: كيف يمكنني أن أزورها وقد أقام أهلها زمن الربيع بهذين الموضعين وأهلنا بهذا الموضع وبينهما مسافة بعيدة ومشقة مديدة؟ أي كيف يتأتى لها زيارتها وبين حلتي وحلتها مسافة؟ المزار في البيت: مصدر كالزيارة. التربع: الإقامة زمن الربيع.


يا "جلمود" لم تكن موفقاً في اعتراضك عليَّ؛ لأن شرحي -ومن خلال ما سبق- أيسر الشروح، وأكثرها فائدة، فهو يمضي مع البيت من أوله إلى آخره، فلا يبقي له لفظة إلا بينها.



لقد اعترضك وقلتَ إن الشعر لا يُشرح هكذا، واخترعت القواعد التي ما أنزل الله بها من سلطان. نعم لم يخب ظني عندما قلتُ: "من قلّ اطِّلاعه كثر اعتراضه، ومن كثُر اطِّلاعه قل اعتراضه".

عبد المنعم السيوطي
07-09-09, 09:04 PM
السلام عليكم ،

أراك تحيد عن النقاش إلى تلك الأقوال التي لا تنم إلا عن ضعف الحجة ووهنها ، كمثل قولك : (نعم لم يخب ظني عندما قلتُ: "من قلّ اطِّلاعه كثر اعتراضه، ومن كثُر اطِّلاعه قل اعتراضه".) .

لم الغضب من الحق والرأي الأخر ! لقد قدمتُ عرضا نقديا لنموذجين من شرحك ، وبينت ما فيهما من خلل ونقص ، فلم ترد ولو بكلمة واحدة .

ثم إنني عازم على مناقشتك بهدوء واحترام وإن عرّضتَ بالقول ، قلتم :
يا "جلمود" لم تكن موفقاً في اعتراضك عليَّ؛ لأن شرحي -ومن خلال ما سبق- أيسر الشروح، وأكثرها فائدة، فهو يمضي مع البيت من أوله إلى آخره، فلا يبقي له لفظة إلا بينها.
هذه الشروح التي ذكرتموها هي شروح لغوية للمعلقة ، تبين الغريب وتنثر البيت فقط ، ولقد عفى الزمان على ذلك الأسلوب في الشرح ، وظهرت القراءات التذوقية للشعر العربي لتكمل مسيرة الأدب ولتقف بنا على جماليات النص الشعري ، يمكنك أن تقرأ كتابات العلامة محمود شاكر لتقف على كيفية قراءة الشعر وتذوقه مثل : (نمط صعب ونمط مخيف) ، إن مثل هذا الأسلوب (تبيين الغريب ونثر البيت) يصلح لصف الأول الثانوي أو ما دونه ، أما طلاب اللذة والمتعة الشعرية فلا يناسبهم .

فهو يمضي مع البيت من أوله إلى آخره، فلا يبقي له لفظة إلا بينها
حسنا ، إذا كان شرحك لا يبقي على لفظة إلا بينها فلماذا أهملتم ذكر معنى (متردم) وهي أشهر كلمة في أشهر بيت من المعلقة ، إذا كنت تنوي شرح الغريب ونثر الأبيات فأبشر ! فلن تقدم جديدا إلا معادا من القول مكرور .

3-فَوَقَفْتُ فِيها نَاقَتي وكَأَنَّها فَدَنٌ لأَقْضِيَ حَاجَةَ الْمُتَلَوِّمِ
وقفت ناقتي في دار حبيبتي؛حتى أخفف عن نفسي حزني ولومي لنفسي.
أنا أدعوك وأدعو كل قارئ حصبف لقراءة شرحك لهذا البيت بموضوعية وإنصاف : هل مثل هذا الشرح يقدم لنا أي معنى أو أي تفسير لجماليات النص الشعري ؟

نصيحتي إليك أن تعلم أن قراءة الشعر وتذوقه ليست قلب المنظوم منثورا ، وإنما هي نوع من الإبداع الموازي .

د.حسين حسن طلافحة
07-09-09, 10:33 PM
جزاك الله خيراً أخي "جلمود"
إذن، وتبعاً لما سبق ننتظر منك شرحاً لمعلقة "عنترة" –هذه الأيام- في هذه الشبكة المباركة ضفاف، فلتتفضل مشكوراً مأجوراً، في نافذة أخرى في قسم "ضفة الأدب العربي".

عبد المنعم السيوطي
08-09-09, 01:54 AM
وجزاكم الله خيرا كثيرا وبارك فيكم ونفع بكم ،
سأفعل بإذن الله تعالى بدءا من الأسبوع القادم .
تحياتي العطرة !

د.حسين حسن طلافحة
08-09-09, 03:59 AM
ج- الغزل وغيره. (13-32)

(13-19) منطقة الإعجاب، وهي ما سنتناولها؛ لأهميتها، وسندع الأبيات من (20-25. 29-32).



13-إِذْ تَسْتَبِيكَ بذي غُرُوبٍ وَاضِحٍ عَذْبٍ مُقَبّلُهُ لَذِيذِ الْمَطْعَمِ
يقول: إن ما يزيد في حزني وفزعي وشجني عليها، تذكري كيف كانت؛ حين تأسر عقلي-فعقلي مُرتحل معها كسبيِّ الحرب- بمناقع ريقها وحدّة أسنانها البيضاء، فهي بيضاء، ومقبَّل عذب، ومطعم لذيذ.
إذن، الشاعر معجب بفمها.


14-وَكَأَنّ فَارَةَ تَاجِرٍ بِقَسيمَةٍ سَبَقَتْ عَوَارِضَهَا إِلَيكَ من الفَمِ

وكأن فائرة العطار التي في القسيمة أي الزجاجة، سبقت أسنانها إليك من فمها إذا رمت تقبيلها.
الصورة الفنية:
المشبه: طيب ريح فم عبلة.
أداة التشبيه: كأن.
المشبه به: طيب ريح المسك.
وجه الشبه: الرائحة.

15-أَوْ رَوْضَةً أُنُفًا تَضَمّن نَبْتَهَا غَيْثٌ قَليلُ الدِّمْنِ ليسَ بِمَعْلَمِ
أو كأنَّ طيب ريح فمها، كطيب ريح روضة خضراء لم تُرعَ بعد، زكا نبتها مطرٌ قليل الزبل، ليس بمعروف مكانها عند الناس؛ فيقصدوها للرعي فيؤثروا فيها، ويوسخوها.


الصورة الفنية:
المشبه: طيب ريح فم عبلة.
أداة التشبيه: كأنّ السابقة في البيت (14).
المشبه به: طيب ريح الروضة.
وجه الشبه: الرائحة.


16-جادَتْ عليها كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرَارَةٍ كالدّرْهَمِ

أمطرت على الروضة كل سحابة، غزيرة المطر، كريمة؛ ليس فيها برد ولا ريح، فتركت كل حفرة كالدرهم، مستدير أبيض.
الصورة الفنية:
المشبه: قرارة.
أداة التشبيه: الكاف.
المشبه به: الدرهم.
وجه الشبه: الاستدارة واللون.
نوع التشبيه: تشبيه مرسل مفصل؛ لأنه ذكر الأداة ووجه التشبيه.

17-سَحًّا وَتَسْكابًا فَكُلَّ عَشِيّةٍ يَجْرِي عَلَيهَا الْمَاءُ لَمْ يَتَصَرَّمِ
أمطرت عليها انصبابا وانسكاباً، فكل آخر نهار، يسيل عليها الماء، لا ينقطع عن السيلان.
وبهذه الأوصاف، يشدَّ عنترة من تشبيهه، فقط لأجل عبلة، انظروا إليه! إنه يبذل قصارى جهده في تطوير هذا التشبيه الذي صنعه "تشبيه طيب ريح فم عبلة بطيب ريح الروضة"، لكن كيف؟! إنه يلجأ إلى تطوير المشبه به، ففي بيت التشبيه نفسه يصف هذه الروضة بـ:
1-أنفاً (لم ترع بعدُ).
2- تَضَمّن نَبْتَهَا غَيْثٌ قَليلُ الدِّمْنِ (زكا نبتها مطر قليل الزبل).
3- ليسَ بِمَعْلَمِ (ليس بمعروف مكانها عند الناس؛ فيقصدها الناس للرعي فيؤثروا فيها، ويوسخوها).

ولا يكفي هذا عنده لوصف حبيبته، وهذا ما جعله يأتي ببيت آخر، وهو البيت (17) السابق ذكره، ويستمر يتابع تطوير تشبيهه حتى تَظُنَّ –أيها القارئ معي- أنه في معمل تطوير أسلحة؛ يجعل هذه القطعة على هذه فيزيد مفعولها، وكأنه يحاول أن يجعله تشبيهاً بليغاً في عليا الأبلغية.


18-وَخَلَا الذُّبابُ بِهَا فَلَيْسَ بِبَارحٍ غَرِدًا كَفِعْلِ الشَّارِبِ الْمُتَرَنِّمِ

وخلت الذباب بهذه الروضة فلا يزايلنها، يصوِّتن تصويتاً كـ "فعل الشارب المترنم"، وفعلُه "التصويت". والشاربُ المترنمُ شارب الخمر الذي يرجِّع صوته بالغناء.
الصورة الفنية:
المشبه: غرداً (تصويت الذباب).
أداة التشبيه: الكاف.
المشبه به: فعل الشارب المترنم (تصويته).

19-هَزِجًا يَحُكّ ذِرَاعَهُ بِذِرَاعِهِ قَدْحَ الْمُكِبّ عَلَى الزّنادِ الأَجْذَمِ

مصوتاً يحك ذراعه بذراعه حكَّ رجل ناقص اليد النار(1).
الصورة الفنية:
المشبه: يحك ذراعه بذراعه (حك الذباب يديه).
أداة التشبيه: لا يوجد.
المشبه به: قَدْحَ الْمُكِبّ عَلَى الزّنادِ الأَجْذَمِ (حك رجل ناقص اليد الزناد).
نوع التشبيه: مؤكد "لا أداة"، مجمل "لم يذكر وجه الشبه".
إلى هنا، ينهي عنترة صنعه لهذه الروضة، فقد بالغ في وصفها، وأمعن في نعتها، لأمر واحد فقط؛ ليكون ريح عبلة أطيب من كل طيب.


(1) اليازجي: إن صوت البعوض والذباب والنحل وأشباهها يحدث من اهتزاز أجنحتها في الهواء على حد ما يكون من أجنحة الحمام. وعلى هذا ففي قول عنترة تناقض ظاهر لأنه لا يمكن أن يحك الذباب إحدى ذراعيه بالأخرى إلا وهو واقع، ومتى كان واقعا تكون أجنحته ساكنة فلا يمكن أن يصوت، ولكن عنترة توهم أن صوته من حنجرته فلم يمتنع عنده الجمع بين هاتين الحاليتين.

د.حسين حسن طلافحة
10-09-09, 12:39 AM
يحكى أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس فأصابوا منه، واستاقوا إبلًا، فتبعهم العبسيون فلحقوهم، فقاتلوهم عمّا معهم، وعنترة يومئذ فيهم، فقال له أبوه: "كِرّ يا عنترة" فقال عنترة: "العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الْحِلاب والصّر" فقال: "كرَّ وأنت حر". فَكرَّ وهو يقول:
أنا الهجينُ عَنْتَرهْ ... كلُّ امرىء يحمي حِرَهْ
أسودَه وأحمرَه الوارداتِ مِشْفَره

وقاتل يومئذ قتالًا حسنًا فادَّعاه أبوه بعد ذلك وألحقه بنسبه. وبعدها جلس عنترة حراً مع الأحرار، فسابَّه رجل من بني عبس، وعاب عليه سوادَ أمه وإخوته وأنه لا يقول الشعر، فقام عنترة، فقال مستهلاً شعره:
إن الشعراء السابقين لم يتركوا طللاً، إلا قالوا وغنَّوا شعراً فيه، مع ذلك فإنني اخترعت طللاً غير مكرور كأطلال الشعراء السابقين، ثم عرض طلله:
2-يَا دَارَ عَبْلَةَ بِالْجِوَاءِ تَكَلَّمِي وَعِمِي صَبَاحًا دَارَ عَبْلَةَ وَأسْلَمِي
3-فَوَقَفْتُ فِيها نَاقَتي وكَأَنَّها فَدَنٌ لأَقْضِيَ حَاجَةَ الْمُتَلَوِّمِ
4-وَتَحُلّ عَبْلَةُ بالْجِوَاءِ وَأَهْلُنَا بالْحَزْنِ فَالصَّمَانِ فَالْمُتَثَلَّمِ
5-حُيّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ أقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمّ الْهَيْثَمِ

لكن!
ما الذي دعا عنترة إلى اختراع طلل؟!
إن عنترة بن شداد كان يضيق ذرعاً من تقيد الشعراء بهذا التقليد الذي درجوا عليه، وكأنَّ تكرار هذا الاستفهام في صدر البيت وعجزه ما يؤكد ذلك؛ لأنه أصبح عقبة أمام الشاعر، ويهيمن على البيت الشعري التساؤل المقترن بالوهم . (بتصرف. الأستاذ كريم الوائلي)

وبعد ذلك يكمل قصيدته في "هستيرية أبدية" لا تنفك عنه، إلا بعد زواجه بعبلة.

وقد تزوج بعبلة حقيقة، فقد أورد السيوطي خبرًا ينقل قول عم عنترة له: "إنك ابن أخي وقد زوجتك ابنتي عبلة"، ومن المؤكد أن هذا الزواج تحقق بعد نظمه للمعلقة؛ وهذا ما قرأناه فيما سبق.

خالد مغربي
10-09-09, 03:10 AM
قراءة ماتعة ، ومقاربة تلم أشتات عنترة في معلقته
بارك الله فيك على قريحتك أستاذنا

ودم قارئا متأملا

د.حسين حسن طلافحة
11-09-09, 08:41 PM
جزاكم الله خيراً مديرنا الفاضل، وبارك فيكم.

أحمد الغنام
11-09-09, 10:03 PM
نتابع مع عنترة معلقته ومعكم دكتورنا الفاضل
الوقوف عليها ..
بارك الله لك وفيك ونفع بك.

د.حسين حسن طلافحة
13-09-09, 05:48 PM
(أخلاق عنترة 34-35-36)

في هذه الأبيات الثلاثة: عنترة يحاول تجاوز عقد النقص بعدة أمور:
أولها: ذكر السواد أكثر من مرة في معلقته، وقد ذكرنا طرفاً منه، ولعلنا نرجع إليه بعد حين.
يَعيبُونَ لَوني بالسوَادِ جَهَالةً
وَلَولا سَوادُ الليلِ مَا طَلَعَ الفَجْرُ

ثانيها: الخلق الحسن، والمعاملة الكريمة.
سَوَادي بَيَاضٌ حِينَ تَبدو شَمائِلي.


ثالثها: فروسيته
وَأَفرحُ بالسيفِ تَحتَ الغُبار
إذا ما ضَرَبتُ بِهِ أَلفَ ضَربَه


وانظروا هنا في معلقته:
34-إنْ تُغْدِفِي دُونِي القِنَاعَ فَإِنَّنِي طَبٌّ بأخْذِ الفارِسِ الْمُسْتَلْئِمِ
إن ترخي على وجهك الخمار؛ لكي تتستري عني، فإنني لم أعجز عن صيد الفرسان الذين يتسترون عني بالدروع، يُعرِّض بأنه قادر على صيدها.

35-أَثْنِي عَلَيّ بِمَا عَلِمْتِ فَإِنَّنِي سَمْحٌ مُخَالَقَتِي إِذَا لَمْ أُظْلَمِ
أثني علي بما علمت من محامدي ومناقبي فإنني سهل معايشتي ومخالطتي إذا لم يَبغ عليَّ أحد.
وقال مرة:
وإنْ كانَ لَوني أسوداً فخصائلي بياضٌ ومن كَفيَّ يُسْتنزلُ القَطْرُ

36-وَإِذَا ظُلِمْتُ فَإِنّ ظُلْمِي بَاسِلٌ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ كَطَعْمِ العَلْقَمِ
وإذا ظلمني أحدٌ فإن ظلمي كريه مرٌ مذاقته كطعم العلقم؛ فعنترة لا يستكين للظلم، فإن ظُلم تحول كالإعصار العاصف، حتى يأتي على ظالمه، فيعاقبه عقابًا بالغًا يكرهه كما يكره طعم العلقم من ذاقه.


المشبه: مر مذاقته.
أداة التشبيه: الكاف.
المشبه به: طعم العلقم.

ملحوظة: نحن في العشر الأواخر من رمضان، فالتمسوا ليلة القدر فيها، ولا يلهكم الشيطان عنها.

عبدالعزيز بن حمد العمار
14-09-09, 05:53 AM
د.حسين حسن طافحة ، مستمتعون بما نقرأ من عرضك الجذاب ، فشكر الله لك .
ما أروع الشعر الجاهلي !
أي سحر هذا الشعر ؟!
أثني علي بما علمت فإنني * سمح مخالطتي إذا لم أظلم
فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل * مر مذاقته كطعم العلقم
ويقول - أيضا - :
فأرى مغانم لو أشاء حويتها * فيصدني عنها الحيا وتكرمي !
ما أجمل الشعر ! وما أجمل شمائل العرب !
ويا لله ِ من شمائلهم الآن !!