المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تعريف اللغة وخصائصها


ضاد
25-09-09, 11:18 PM
د\ محمد محمد يونس علي



تعريف اللغة:

تعد اللغة الطبيعية نظاما علاميا مميزا من بين الأنظمة العلامية الأخرى. فهي تختلف عن لغات الحيوانات، ولغات الإشارة الجسمية، ولغة الصم، والبكم، ولغة المرور. وإن كان هناك بعض الخصائص التي تجمع بين اللغة الطبيعية، والأنظمة العلامية الأخرى المذكورة تميزها عن الدلائل الطبيعية (كدلالة الغدران على نزول المطر، ودلالة الرماد على نار سابقة). وأهم هذه الخصائص على الإطلاق قصد الإبلاغ. فالغدران، والرماد لا يريدان أن ينقلا أية رسالة إلينا، وإن استنتجنا عند رؤيتهما نزول المطر، أو وجود النار. أما الأنظمة العلامية فتستخدم لغرض الإبلاغ أي نقل المعلومات، وتستلزم وجود مخاطِب، ومخاطَب، ونظام رمزي يحتاج إلى تفكيك، وتركيب، وسياق تستعمل فيه. وسيتضح لنا عند الحديث عن خصائص اللغة كيف تختلف اللغة الطبيعية عن لغات الحيوانات، وغيرها من الأنظمة العلامية الأخرى.
وينبغي أن أشير هنا –قبل الخوض في تعريف اللغة- إلى تفريق دو سوسور بين اللغة الملكةlangage، واللغة المعينةlangue. فاللغة الملكة هي مقدرة فطرية بطبيعتها يزود بها كل مولود بشري، وهي من أهم السمات الفطرية التي تميز الإنسان عن الحيوان. أما اللغة المعينة كالعربية، أو الإنجليزية، أو الصينية فهي نظام مكتسب متجانس "إنها نظام من العلامات قوامه اتحاد المعنى بالمبنى".[1] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftn1)
والجديد الذي أضافه دو سوسور في تعريف اللغة المعينة (وهي المقصودة عادة عند إطلاق مصطلح اللغة) هو عنصر النظام كما سنشير.
وقد كنت عرّفت اللغة منذ حوالي عقد ونصف بأنها "نظام من العلامات المتواضع عليها اعتباطا التي تتسم بقبولها للتجزئة، ويتخذها الفرد عادة وسيلة للتعبير عن أغراضه، ولتحقيق الاتصال بالآخرين، وذلك (بوساطة) الكلام، والكتابة".[2] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftn2) وقد صيغ هذا التعريف بعد دراسة عدد من تعريفات اللغويين القدامى، والمحدثين. ومازلت حتى الآن اعتقد بأنه تعريف جامع لأهم خصائص اللغة، ووظائفها، إضافة إلى كونه يشير بدقة إلى حقيقتها، وطبيعتها.

خصائص اللغة:

سأشرح فيما سيأتي المقصود بكل خصيصة من خصائص اللغة الواردة في التعريف:

1- كونها علامات:

عرف دو سوسور العلامةsign بأنها "المجموع الناجم عن ارتباط الدال بالمدلول". ويقصد بذلك أن العلامة ليست لفظا مجردا عن معنى، بل هي لفظ يفهم منه معنى عند إطلاقه، ولا يمكن الفصل بين الدال، والمدلول.
وقد تطور مفهوم العلامة ليشمل –علاوة على العلامة المعجمية– العلامة القواعدية-، وعلى سبيل المثال، فإن كلمة ساهر تتكون من علامتين هما: (أ) (س هـ ر)، و(ب) صيغة فاعل، وبينما تعد العلامة الأولى معجمية لكونها تدل على معنى معجمي، وهو المكوث يقظا بعد موعد النوم، توصف الثانية بأنها علامة قواعدية.
والفرق بين العلامات القواعدية، والمعجمية أن الأولى يمكن حصرها بعد الاستقراء؛ أي أنها محدودة العدد، وينوب بعضها عن بعض للدلالة على معان صرفية، أو نحوية معينة، وذلك مثل أداة التعريف، وتاء التأنيث، وصيغة فاعل، أما العلامات المعجمية فهي غير محدودة العدد؛ لدخول علامات جديدة في كل وقت، ولأنها تشير إلى أشياء خارج اللغة، وهذه الأشياء غير متناهية، وعادة ما تدون المعاجم اللغوية العلامات المعجمية دون القواعدية، إذ يمكن العثور في المعجم على معنى "أسد" دون معنى صيغة "مفعول" مثلا.
ويعد المصرّف (سواء أكان قواعديا، أو معجميا) أصغر علامة لغوية؛ لأنه يدل على معنى، ولا يمكن تقسيمه إلى عناصر أصغر ذات معنى.
ومثلما تطلق العلامة على المفردات تطلق أيضا على التراكيب، فالمركب الإضافي نحو كتاب سعيد، والمركب الوصفي نحو سيّارة حمراء، والمركب البدلي نحو الكتاب نفسه، والمركب الإسنادي نحو الجو لطيف، وقام خالد، وغير ذلك من التراكيب التي تدخل في حكم العلامة التركيبية. وأكبر ما تكون عليه العلامة في التحليل القواعدي هو الجملة، أما المهتمون بدراسة النص كعلماء التخاطب، ومحللي الخطاب، والأسلوبيين فيعدون النص هو الموضوع الذي يستحق التحليل، وما الجمل إلا مكوّنات له.

2- الاعتباطية:

إذا نظرنا في أصوات كلمة ضرب مثلا في اللغة العربية، وتأملنا في سبب اختيار العرب لهذه الأصوات بالذات للتعبير عن معنى الضرب، فلن نجد علة منطقية تفسر سبب الاختيار. بل إنهم كان بإمكانهم أن يستعملوا "ربض"، أو أي لفظ آخر للدلالة على هذا المعنى. يقول عبد القاهر الجرجاني: "فلو أن واضع اللغة كان قد قال (ربض) مكان (ضرب)، لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد".[3] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftn3) ولو كان في اللفظ ما يدل على معناه، أو في المعنى ما يقتضي أن يعبر عنه بلفظ معين، لما اختلفت اللغات. وهكذا يمكن أن نستنتج أن اختيار الدال لمدلول معين إنما هو عمل اعتباطي عشوائي لا يخضع لمنطق، أو تعليل. وفي هذا تخالف اللغة الطبيعية الرموز المعبرة كإشارة الصليب التي تدل على صلب المسيح عند النصارى.

3- كونها نظاما:

كان اللغويون قبل دو سوسور ينظرون إلى اللغة على أنها مجموعة من الأصوات، تلك العناصر المادية التي يمكن سماعها، ونطقها، وتتسم بخصائص فيزيائية مميزة؛ أي أنها جواهر، وليست أعراضا إذا ما استخدمنا مصطلحات المناطقة. وبناء على ذلك، فإن تعريف اللغة على هذا النحو شبيه بمن يعرّف البيت بأنه أكوام من الحجر، والإسمنت، والطين، والخشب، والزجاج. وقد اعترض ابن سينا على تعريف البيت بهذه الطريقة، أو نحوها مشيرا إلى ضرورة مراعاة الهيئة، والرصف، والترتيب.[4] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftn4) وهو الاعتراض نفسه الذي وجّهه دو سوسور على من يعرف اللغة بأنها أصوات دون ذكر خصيصة النظام، يقول دو سوسور: "إن أخطاء مصطلحاتنا، وكل طرائقنا في تمييز أمور اللغة المعينة إنما تصدر عن افتراض مقصود مضمونه أن هناك جوهرا في الظاهرة اللغوية".[5] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftn5) فاللغة العربية مثلا ليست هي الأربعة وثلاثين صوتا التي تتألف منها، بل الطرائق المختلفة التي ترصف بها تلك الأصوات لتكوين كلمات، وجمل مختلفة وفقا لأغراض المتكلم التخاطبية. فواضع اللغة استثمر عددا من الاحتمالات الممكنة لصوغ عدد كبير جدا من الكلمات بتقليب الأصوات على أوجه مختلفة، وتأليفها على أشكال متباينة لوضع كلمات جديدة. ومستخدم اللغة يركب المصرّفات، والكلمات الموضوعة على أوجه مختلفة تناسب المعنى المراد نقله لمخاطبه.
ويتوقف نظم التراكيب اللغوية التي يستخدمها المتكلم على نوعين من العلاقات:
أ‌- العلاقات الاستبدالية:
فالمخاطِب عندما يقول: "استقبلتُ في بيتي خمسة أصدقاء"، فإنه قد اختار كلمة استقبل من زمرة من الخيارات الممكنة مثل أكرم، وضرب، وقتل، ونحوها، واختار التاء المضمومة الدالة على المتكلم بدلا من التاء المفتوحة، والمكسورة، والضمائر (نا)، و(تما)، و(تم)، و(ا)، ونحوها، وكذا فقد استبعد نحو (في مكتبي)، و(في مجلسي)، ونحوهما، واستبعد (ثلاثة)، و(أربعة)، و(ستة)، ونحوها، واستبعد (زملاء)، و(جيران)، و(أقارب)، ونحوها. وتدخل كل كلمة من الكلمات المختارة في علاقة استبدالية مع غيرها من الكلمات الممكنة التي استبعدها.
وقد يكون استخدام الكلمة متوقفا على خيار المتكلم، أو على متطلبات السياق، فعندما يقول المتكلم: "حضرَ سبعةُ طلابٍ" فإن استخدام حضر بدلا من غاب، أو نجح مثلا، واستخدام سبعة بدلا من ثمانية، أو تسعة، واستخدام طلاب بدلا من مدرسين، أو رجال، إنما يعود إلى رغبة المتكلم في قول ما قال؛ لأن ما اختاره من كلمات يعبر عن غرضه الإبلاغي. والعلاقة بين كلمة حضر، وكل كلمة من الكلمات التي كان من الممكن أن تحل محلها هي علاقة تغاير؛ لأن ذكر أي كلمة من الكلمات المطروحة بدلا من الكلمة المذكورة يترتب عليه التعبير عن معنى مغاير.
وعلاقة التغاير هي إحدى علاقتين تندرجان تحت علاقة الاستبدال، والعلاقة الأخرى هي علاقة التشابه التي يمكن أن نوضحها بالرجوع إلى المثال الأخير حيث كان على المتكلم أن يقول حضر، وليس له أن يقول حضرا، أو حضروا، أو حضرت؛ لأن قواعد العربية تفرض هذا الشكل دون غيره في هذا السياق. وكذا فليس بإمكانه أن يقول سبعٌ، أو سبعا، أو سبعٍ، أو سبعةٍ، أو سبعةً، أو سبعةِ، أو سبعةَ، أو نحو ذلك؛ لأن السياق لا يسمح بذلك، وينطبق هذا أيضا على كلمة طلاب؛ فليس بإمكان المتكلم أن يقول طلابًا، أو طلابٌ، أو طالبٍ، أو نحو ذلك. وإنما سميت هذه العلاقة بعلاقة التشابه؛ لأن الكلمة المذكورة تشبه الكلمات المحذوفة في المعنى، وإن اختلفت معها في الشكل. ونظرا إلى أن شكل الكلمة المسموح بوقوعه يحكمه السياق فلا يجوز لغة أن تحل كلمة بدلا من كلمة أخرى إذا كانت العلاقة بين الكلمتين علاقة تشابه.
ب‌- العلاقات الائتلافية:
إن المعنى الذي يعبر عنه المتكلم محكوم بنوع آخر من العلاقات يسمى العلاقات الائتلافية، ويسميها دو سوسور بالعلاقات الترابطيةassociative. فعندما يريد المتكلم أن يشير إلى تنفيذ حكم الإعدام في شخص ما بقطع رقبته بإمكانه أن يقول: "ضُرب عنقه" مثلا، ولكن ليس له أن يقول: "ضُرب جيده" مثلا على الرغم من الترادف الإدراكي بين الكلمتين عنق، وجيد؛ والسبب هو أن الائتلاف بين الجيد، والضرب غير مألوف في العربية عادة. وشبيه بهذا العلاقة النحوية بين الكلمات، ففي العربية –كما هو معلوم- تتأثر الكلمات المتوالية بعضها ببعض، وكما رأينا في الأمثلة السابقة فإن كلمة سبعة في "حضرَ سبعةُ طلابٍ" لا يجوز أن يستبدل بها سبعٌ، أو سبعةٍ، أو سبعةً، أو سبعةِ، أو سبعةَ، أو سبعٌ، أو سبعا، أو سبعٍ، أو نحو ذلك؛ لأن هذا الائتلاف لا يسمح بغير صيغة (سبعةُ). وربما يسأل سائل هنا كيف يصلح المثال نفسه لتوضيح نوعين مختلفين من العلاقة هما العلاقات الاستبدالية، والعلاقات الائتلافية؟. والجواب هو أن الفرق يتصل بوجهة النظر المراعاة، فإذا نظرنا في المثال نفسه إلى العلاقة بين (سبعةُ)، وغيرها من الصيغ المطروحة التي لا يمكن أن تقع موقعها لأسباب سياقية مثل سبعٌ، أو سبعةٍ، أو سبعةً، ونحوها، أو إلى علاقتها بالكلمات التي يمكن أن تقع موقعها مثل ستةُ، أو ثمانيةُ فإننا سنتحدث حينئذ عن علاقات استبدالية. أما إذا نظرنا إلى علاقة (سبعةُ) بما قبلها، أو بعدها من الكلمات فإننا نتحدث حينئذ عن العلاقات الائتلافية. وهكذا فإن العلاقات الاستبدالية علاقات عمودية في حين أن العلاقات الائتلافية علاقات أفقية.
ويمكن التمثيل للعلاقتين الاستبدالية، والائتلافية من الناحية الصوتية، حيث تدخل الصيتةphoneme (ن) في مندوحة في علاقة استبدالية مع (م) مثلا، وهي من علاقات التغاير؛ لأن تغيير الصيتات هنا يترتب عليه تغيير في معنى الكلمة حيث تصبح ممدوحة بدلا من مندوحة. أما إذا حاولنا أن نضع نونا أخرى، ولتكن تلك النون الموجودة في منحوسة، فإن هذا أمر غير ممكن عادة؛ لأن السياق الصوتي لا يسمح بذلك؛ فالنون في مندوحة مخفاة، وسياقها في منحوسة يقتضي إظهارها.

ضاد
25-09-09, 11:19 PM
4- القابلية للتجزئة:

لما كانت العلامات اللغوية وحدات ائتلافية منظمة، فذلك يعني أن المتكلمين بإمكانهم أن يجزئوا تلك العلامات، ويعيدوا تركيبها للتعبير عن معنى مغاير مثلما يفعل الطفل بألعاب الفكّ، والتركيب حين يرسم أشكالا مختلفة بإعادة الفك، والتركيب. وتسمى هذه الخصيصة اللغوية التجزئة المزدوجة double segmentation، ويشير اللسانيون عادة إلى نوعين من التجزئة: تجزئة التراكيب إلى مصرّفاتmorphemes، وهي المسماة بالتجزئة الأولى first segmentation (or first articulation)، وتجزئة المصرفات إلى أصوات وهي ما يسمى بالتجزئة الثانية second segmentation. فمثال الأولى تجزئة جملة "الولد يبكي" إلى (ال) الذي هو مصرف قواعدي، و(ولد)، وهو مصرّف معجمي، والمصرف المعجمي المقيّد (ب ك ي)، وصيغة (يفعل)، وهو مصرّف قواعدي مقيد. ومثال الثانية تجزئة كلمة ولد إلى (و+فتحة+ل+فتحة+د).
وكما لاحظنا فإن الكلمة ليست مهمة في التجزئة كما يقول المهتمون باللسانيات العامة، غير أنه في وصفي للعربية من الناحية الدلالية كنت أشرت في دراسة سابقة[6] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftn6) إلى أن هذا لا ينطبق على العربية. وذلك لأن الكلمة في العربية هي موضوع الإعراب، ولا يمكن للمصرّف أن يحل محلها في التحليل النحوي.
وقد عرّفت الكلمة في العربية بأنها "الوحدة اللغوية الصغرى القابلة للتصنيف الإعرابي، المكونة من مصرّف قواعدي مستقل إعرابيا، أو من مصرف معجمي واحد، مفرد، أو مقترن بمصرف قواعدي، أو أكثر".[7] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftn7) فمثال الكلمة المكونة من مصرّف قواعدي مستقل إنّ، وعلى، وواو القسم، والفاء، وباء الجر، وكاف التشبيه، ونحوها. ومثال الكلمة المكونة من مصرف معجمي واحد عيسى، وكمثرى، وهدى، ومثال الكلمة المكونة من مصرف معجمي واحد مقترن بمصرف قواعدي، أو أكثر كلمة فاتح المكونة من (ف ت ح)، وصيغة فاعل، وشاربة المكونة من (ش ر ب)، وصيغة فاعل، وتاء التأنيث.
والفرق بين الكلمة، والمصرّف هنا هو أن الكلمة هي موضوع الإعراب فهي التي تصنف بأنها فعل ماض، أو فاعل، أو مفعول به، أو مضاف إليه، أو حرف عطف، أوجر إلخ. أما المصرف فقد يدل على معنى معجمي، أو على معنى قواعدي، ولكنه ليس موضوعا للإعراب إلا إذا كانت الكلمة بسيطة البنية، وليست مركبة؛ أي أنها مؤلفة من مصرّف واحد إما قواعدي نحو عن، أو معجمي نحو صدى، فإنها في هذه الحال قابلة للإعراب، ولكن بوصفها كلمة، وليس مصرفا.

5- الإنتاجية:

من أهم الخصائص التي تميز اللغة البشرية عن لغات الحيوانات ما يعرف بالإنتاجية productivity، التي تعني أن المتكلمين يستطيعون أن ينطقوا بتركيبات لم يسبق لهم أن سمعوها من قبل، ويعود هذا إلى الوضع السابق للغة؛ أي أنّ ما تعارف عليه أهل اللغة يقتصر فقط على وضع المفردات، والأنماط، أو المناويل التركيبية دون القولات التي يستخدمها المتكلمون. يقول ابن مالك: "إنّ الدال بالوضع لابد من إحصائه، ومنع الاستئناف فيه، كما كان ذلك في المفردات، والمركبات القائمة مقامها، فلو كان الكلام (يقصد القولةutterance) دالاّ بالوضع وجب ذلك فيه، ولم يكن أن نتكلم بكلام لم نسبق إليه، كما لم نستعمل في المفردات إلا ما سبق استعماله، وفي ذلك برهان على أن الكلام ليس دالا بالوضع.[8] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftn8) وما يقصده ابن مالك هنا أن المتكلمين غير مقيدين في كلامهم بما قيل سابقا؛ أي ليس عليهم أن يحفظوا كل الجمل التي قيلت قبلهم كي يصدق عليهم أنهم يتكلمون العربية، بل عليهم أن يتقيدوا بما وضعته العرب في المفردات، والمركبات الجزئية فقط. أما الجمل فبإمكانهم أن يقولوا منها ما يشاءون. وهو ما يعرف في اللسانيات بالإنتاجية productivity أي إمكان إحداث (أوفهم) جمل جديدة لم تنطق من قبل.
وتحظى خصيصة الإنتاجية باهتمام النحاة التحويليين بزعامة تشومسكي، بل إنها أهم أسس نظريتهم على الإطلاق، وهي السمة الوحيدة التي يمكن استنتاجها من تعريف تشومسكي للغة، حيث يرى أن اللغة هي مجموعة من الجمل غير محدودة العدد، وكل جملة منها محدودة الطول مصوغة من مجموعة من العناصر المحدودة.[9] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftn9) وهكذا فإن اهتمام التوليديين، والتحويليين يتمحور حول كيف يؤلف متكلمو اللغة السليقيون، ويفهمون عددا غير متناه من الجمل الممكنة المختلفة اعتمادا على عدد محدود من القواعد، والأسس النحوية.

6- النقل الثقافي:

تتسم لغات الحيوانات بكونها ردود فعل غريزية موروثة، وليست مكتسبة، وهذا يعني أن القطط مثلا في كل مكان في العالم تستعمل الألفاظ نفسها، وفي هذا تختلف عن اللغة البشرية اختلافا بيّنا، إذ تتنوع اللغات بتنوع المجتمعات، والثقافات، ويكتسب الطفل لغته من المحيط الذي يعيش فيه بغض النظر عن عرقه، أو الجينات التي يرثها من والديه، فالمولود الإنجليزي الذي يعيش في بيئة لغوية فرنسية سيتحدث الفرنسية، وليس الإنجليزية. ولا شك أننا نقصد هنا اللغة المعينة، وليس اللغة الملكة؛ لأن اللغة الملكة هي مقدرة موروثة كما سبقت الإشارة.
فاللغة المعينة إذن تنتقل من جيل إلى آخر بالتعلم، وليس بالوراثة، وهذا ما يسمى بالنقل الثقافي cultural transmission، وهو عنصر مهم في اكتساب اللغة.[10] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftn10)

ضاد
25-09-09, 11:19 PM
[1] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftnref1) F.de Saussure, Cours de linguistic général (Paris: Payot, 1968), p. 32.

[2] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftnref2)محمد محمد يونس علي، وصف اللغة العربية دلاليا في ضوء مفهوم الدلالة المركزية: دراسة حول المعنى ومعنى المعنى (طرابلس: منشورات جامعة الفاتح، 1993)، ص 24.

[3] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftnref3) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمد رضوان الداية، ومحمد فايز الداية (دمشق: دار قتيبة، 1983)، ص 42.

[4] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftnref4)ابن سينا، منطق المشرقيين (بيروت: دار الحداثة، 1982) ص 103.

[5] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftnref5) Saussure, 1968: 169.

[6] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftnref6)يونس علي، 1993: 46-47.

[7] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftnref7)يونس علي، 1993: 46.

[8] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftnref8) جلال الدين السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق محمد جاد المولى، وعلي البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم (بيروت: دار الجيل، (د-ت)، 1: 43.

[9] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftnref9) N Chomsky, Syntactic Structures (The Hague: Mouton, 1957), p. 13.

[10] (file:///C:/Users/muhammed%20ali/Documents/المحمول%20القديم/منقولات/منقول/مدخل%20إلى%20اللسانيات%20الأخ٠ŠØ±Ø©.doc#_ftnref10) G Yule, The Study of Language (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), p. 24.

ضاد
25-09-09, 11:20 PM
أنا جاهز بإذن الله لأية أسئلة تخص هذا الموضوع.

تيما
26-09-09, 12:48 AM
بارك الله فيك أستاذ ضاد
وصلت بالقراءة إلى هنا:
ويمكن التمثيل للعلاقتين الاستبدالية، والائتلافية من الناحية الصوتية، حيث تدخل الصيتةphoneme (ن) في مندوحة في علاقة استبدالية مع (م) مثلا، وهي من علاقات التغاير؛ لأن تغيير الصيتات هنا يترتب عليه تغيير في معنى الكلمة حيث تصبح ممدوحة بدلا من مندوحة. أما إذا حاولنا أن نضع نونا أخرى، ولتكن تلك النون الموجودة في منحوسة، فإن هذا أمر غير ممكن عادة؛ لأن السياق الصوتي لا يسمح بذلك؛ فالنون في مندوحة مخفاة، وسياقها في منحوسة يقتضي إظهارها.


ليتك توضح لي ما لونته بالأحمر في الاقتباس وأنا لك من الشاكرين.
.
.

تيما
26-09-09, 12:57 AM
ربما من الأفضل لو وضعت السؤال هكذا:
هل لك أن توضح لنا العلاقة الائتلافية أكثر؟

تحيتي وتقديري
.
.

ضاد
26-09-09, 01:16 AM
حاضر.
سأجيب عن سؤالك الأول ثم أشرح العلاقتين بإذن الله.
الاستبدال في مثال مندوحة يعني إمكان استبدال حرف الميم بالنون فيها, أي إخراج النون وإدخال الميم بدلا ما, فيصبح عندنا كلمة أخرى هي "ممدوحة" وهي كلمة مقبولة.
الائتلاف في مثال منحوسة يعني أن الحرف الذي سيدخل بدلا من الحرف المخرج لا بد أن يتوافق مع ما قبله من الحروف وما بعده بحيث لا يكون في مقطع لا يقبله النظام المقطعي والاشتقاقي في العربية, فيصبح عندنا هنا "ننحوسة" وهي لا تخضع للنظام الاشتقاقي في العربية.

ضاد
26-09-09, 01:21 AM
الاستبدال يعني عموما أن المتكلم يتوفر لديه خزينة من الألفاظ يتخير منها ما يشاء في تراكيبه فيقول:
هذا بيت أخي.
أو
هذا منزل أخي.
أو
هذا خان أخي.
كما يشاء. والائتلاف يعني أن اللفظ المختار لا بد حينما يدخل في التركيب أن يخضع لنظام اللغة وقانون التركيب, فلا يمكن مثلا أن يقول:
هذا دار أخي.
لأن "دار" مؤنثة وبدخولها في التركيب تتعارض مع اسم الإشارة المذكر وبذلك لا تأتلف معه ولا يمكن أن تكون معه تركيبا سليما. وكذلك الشأن في المثال الذي أورده الكاتب حيث قال إن المتكلم قادر أن يقول مثلا:
اشتريت سبعة\ستة\عشرة\كتب.
غير أن الخيار الذي سيختاره لا بد أن يخضع لقاعدة العدد والمعدود في العربية, فلا يمكن أن يقول:
اشتريت سبعَ\سبعا\سبعٍ كتب.
لأنه مخالف لنظام اللغة العربية.
هل وضحت المسألة؟

تيما
26-09-09, 01:37 AM
حاضر.
سأجيب عن سؤالك الأول ثم أشرح العلاقتين بإذن الله.
الاستبدال في مثال مندوحة يعني إمكان استبدال حرف الميم بالنون فيها, أي إخراج النون وإدخال الميم بدلا ما, فيصبح عندنا كلمة أخرى هي "ممدوحة" وهي كلمة مقبولة.
الائتلاف في مثال منحوسة يعني أن الحرف الذي سيدخل بدلا من الحرف المخرج لا بد أن يتوافق مع ما قبله من الحروف وما بعده بحيث لا يكون في مقطع لا يقبله النظام المقطعي والاشتقاقي في العربية, فيصبح عندنا هنا "ننحوسة" وهي لا تخضع للنظام الاشتقاقي في العربية.

بارك الله فيك أستاذ ضاد
بمثالك "ننحوسة" اتضحت الرؤية
بما أن الكاتب أجرى الاستبدال في كلمة "مندوحة" بوضع الميم بدلا من النون لتصبح "ممدوحة"
ظننت أنه يكمل الحديث لاستبدال نون منحوسة بنون مندوحة
خلت أن الأمر له علاقة بالنون المخفاة والنون المظهرة.. وهنا أشكلت عليّ المسألة.
فلماذا نون "منحوسة" بالذات؟

أشكرك
.
.

تيما
26-09-09, 01:42 AM
هل وضحت المسألة؟
وضحت بارك الله فيك
إذن العلاقة الاستبدالية عمودية
والعلاقة الائتلافية أفقية

أتابع قراءة الموضوع غدا إن شاء الله وأعود إن استوقفني شيء

لك تحيتي وتقديري أستاذنا الفاضل
.
.

ضاد
26-09-09, 01:48 AM
ما هو إلا مثال. المهم هو أن الاستبدال عمودي والائتلاف أفقي:
تركيب ت = قانون {<عنصر 1>(علاقة) <عنصر 2>(علاقة)<عنصر 3>}
يمكن استبدال عنصر خ (اختياري) بأي عنصر في التركيب ت (عموديا أي كأنك تأتي من فوق وترفع عنصرا وتضع عنصرا آخر) شريطة أن يخضع العنصر الجديد للعلاقات الأفقية بين العناصر الأخرى ولا يخرج عن القانون العام الذي يحكم التركيب ت.

تيما
27-09-09, 06:32 PM
بارك الله فيك أستاذ ضاد
تم بحمد الله
استفدت كثيرا من هذه النافذة

ولك شكري مرة أخرى
.
.

عبدالعزيز بن حمد العمار
28-09-09, 07:14 AM
سلام عليكم ...
أستاذنا ضادا الفاضل ،
ألا ترى أن كثيرا من التأملات اللسانية لا تخلو من مرجع عربي نحوي ؟

ضاد
03-10-09, 12:44 AM
اعذر تأخري في الإجابة أستاذي الفاضل. أكيد أن كثيرا من الأفكار والرؤى مسبوق إليها إما من العرب أو من اليونان, حتى وإن لم يطلع أحد على الآخر, فيمكن الوصول إليها بالتأمل والدراسة. غير أني أعتبر من يطور النظرية له الفضل أكثر ممن يضعها ويقف عندها, خصوصا إذا كان التطوير يأتي بفائدة عملية أكثر من الواقع النظري التجريدي للنظرية. أمثل لك بالماء والبخار, فقد اكتشف قديما أن الماء يتبخر عند درجة حرارة 100 مائوية, ثم أتى علماء هذا العصر واكتشفوا أن هذا البخار صالح لإنتاج الطاقة, فاستفادوا منه أكثر من مكتشفي الظاهرة. وهذا ما يحدث في الغرب في كل العلوم, فهم يطورونها كثيرا, في حين ظللنا نحن نتناول النظري ولا نقدم شيئا. والعلوم اللغوية خرجت من حيز العلوم الإنسانية الفكرية إلى حيز العلوم التجريبية والتطبيقية, فاللغة دخلت كل المجالات العلمية, وحيثما ثمة علوم يفعلها الإنسان, فثمة لغة يجب دراستها. وهذا فوق جوهري يميز اللسانيات عن العلوم اللغوية العربية التقليدية, وهذا هو الفرق بين النظرة الشمولية إلى اللغة والنظرة الأدبية الشعرية. بوركت.

عبد المنعم
20-10-09, 07:49 PM
أشار دي سوسير إلى ما سمي بالخطية، فما هي الخطية؟
وهل بالإمكان حمل العلامة اللغوية على الرموز كالضوء الأحمر، بمعنى: قف. زإشارة الأفعى إلى الصيدلية؟

ضاد
21-10-09, 12:03 AM
الخطية؟
هل يمكن أن تذكر لي المصطلح بالفرنسية أو رقم الصفحة التي ورد فيها؟
أما سؤالك الثاني فهو يدخل في مجال السيمائيات وهي علم العلامات وهو أعم من المجال اللغوي للعلامة.

محمد محمد يونس علي
21-12-09, 08:05 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أهلا بالأخ الأستاذ المشرف على ضفة اللغويات الحديثة وبارك الله في جهودك الطيبة في خدمة العربية.
لقد سررت بقراءة تعليقكم على سؤال الأخت تيما وأعجبت بدقة استيعابكم للموضوع، كما أحيي الأخت تيما على براعتها في إثارة السؤال، وأرى أن اعتراضها في محله؛ إذ الدقة تقتضي أن نستخدم كلمة ممدوحة بديلا لمندوحة، أما منحوسة فهي خطأ مطبعي من الناشر، ولا أذكر أنها موجودة في كتابي وصف اللغة العربية دلاليا، وإن كان الخطأ واردا على أي حال.
أكرر شكري للجميع .

أحمد الغنام
30-06-11, 11:15 AM
نافذة فيها العلم والفوائد الكبيرة ، بارك الله في صاحبها وفي المارين .

هدى عبد العزيز
20-07-11, 03:18 PM
سلمت يدك أخي الكريم
بحث رائع , متكامل , مدعم بمراجع قديمة وحديثة , وهذا جميل .
لا أحب المنغلق على القديم فقط , متعصب لهُ
ولا أحب الانفتاح الكامل على ثقافة الغير وكأننا جردا من كل هِبة ,

زادك الله في العلم بسطة
تحيتي