العودة   شَبَكَةُ ضِفَاف لِعُلومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّة > ضفاف البلاغة والنقد > ضفة النقد


آخر 10 مشاركات
كُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ يَا أَهْلَ ضِفَافٍ (الكاتـب : أحمد الغنام - آخر رد : أم خليل - )           »          أحجية الجمال.. (الكاتـب : ساري - )           »          مِنديلُ الذّاكرة الأبيَض (الكاتـب : سمية عبد الله - )           »          في هذه اللحظة.. كيف تشعرون؟ (الكاتـب : سمية عبد الله - )           »          كمكم- العروض الرقمي (الكاتـب : سحر نعمة الله - آخر رد : كمكم - )           »          سألتك (الكاتـب : كمكم - آخر رد : عربية - )           »          تمتمات (الكاتـب : كمكم - آخر رد : سحر نعمة الله - )           »          كل عام وأنتم بخير .. على طريقتي .. :) (الكاتـب : *وردة* - آخر رد : تألق - )           »          من نبضي (الكاتـب : تألق - )           »          ألكسندر دوما (الكاتـب : سحر نعمة الله - )


إضافة رد
 
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 17-01-10, 04:00 PM
الصورة الرمزية فارس م
 
فارس م
ضفافي متميز

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  فارس م غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقم العضوية : 309
تاريخ التسجيل : 14-11-09
الجنس : ذكر
التخصص :
العمر :
الدولة : الجزائر
المشاركات : 1,346 [+]
آخر زيـارة : 26-10-13(01:25 PM)
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : فارس م is on a distinguished road
افتراضي في نظريّة النّقد النّفسيّ

السّلام علسكم ،
هذه دراسة موسومة بــ [ المدخل إلى نظريّة النّقد النّفسيّ ، سيكولوجيّة الصّورة الشّعريّة في نقد العقّاد نموذجا ] لصاحبها الأستاذ زين الدّين مختاري ، سأحاول أن
تكون منشورة بانتظام على ضفّة النّقد .

المقدّمة


بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ صلة علم النفس بالأدب والنّقد صلةٌ ممتدة الجذور في التّراث الإنساني، وخصوصاً تلك التي تربط الأدب بصاحبه. وهذا التراث واسع، لا يُمكن حصره في صفحات قليلة، لأنّ القائمة طويلةٌ، تضمّ عدداً غير قليلٍ من أسماء الفلاسفة وعلماء النفس، فضلاً عن النّقاد والأدباء والفنّانين.
ويُمكن استشفاف تلك الصّلة -إن تلميحاً أو تصريحاً- عند أفلاطون في موقفه من الفنّ والأدب، وعند أرسطو في نظريّة "التّطهير" وعند من سار على سَمْتِهما مثل: أفلوطين، وهو راس، وبوالو، وهيجل، وكانط، وشوبنهور وبرجسون، وكروتشه.. وعند علماء النفس، مثل: فرويد، ويونغ، وأدلر، وشارل بودوان، وشارل مورون..
وغير هؤلاء كثيرٌ، يُضاف إليه عددٌ لا حصر له من النّقاد والفنّانين الذين تأثّروا بالمنهج النفسي في دراسة الأدب وشخصيات الأدباء، غير أن البداية الحقيقية لنضج علم النفس وتطوّر علاقته بالأدب والنّقد، كانت في النّصف الأوّل من هذا القرن، سواءٌ عند الغربيين أم عند العرب.
ولا نعدم بعض ملامح النّقد النّفسيّ عند النّقاد العرب القدامى، نذكر منهم على الخصوص: ابن قتيبة (ت 276هـ) في كتابه "الشعر والشعراء"، والقاضي الجرجاني (ت 393هـ) في كتابه "الوساطة..." وربما كانت الملامح النفسية([1]) أوضح عند عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) في كتابيه "دلائل الاعجاز" و"أسرار البلاغة".
بيد أن الانطلاقة الحقيقيّة للنّقد النّفسيّ، كانت في العصر الحديث على يد جماعة الدّيوان 1921م، ومن حذا حذوها من أساتذةٍ جامعيّين وأكادميّين، ولعلّ الطّابع المميّز لهذه الجماعة ومن جاء بعدها، هو الانكباب على دراسة شعراء متميزين تجلّت في سلوكهم وفي شعرهم النّزعة الفرديّة([2]).
ومن هنا، كانت السّمة الغالبة على النّقد النّفسيّ في العقود الأولى من هذا القرن، هي دراسة شخصيّة الشّاعر أو الأديب إذا استثنينا بعض من حاول الاتجاه بالدّراسة السيكولوجيّة إلى تفسير العمل الأدبي نفسه أو معالجة عمليّة الإبداع الفني ذاتها، كعز الدين إسماعيل -على سبيل المثال- في كتابه "التّفسير النّفسيّ للأدب" ومصطفى سويف في كتابه" الأسس النّفسيّة للإبداع الفنّيّ في الشّعر خاصّةً!!.
وإلى هؤلاء جميعاً -قدماء ومحدثين- وعلى اختلاف نزعاتهم وتوجّهاتهم- يعود الفضل في إرساء قواعد نظرية النّقد النّفسيّ. وهذا المدخل الذي نضعه بين يدي القاريء، يحاول إبراز بعض معالمها، في عرضٍ مبسّطٍ لمنهجٍ استقرائيّ يُحاول أن يوائم طبيعة الموضوع، ولمنهجيّةٍ تقوم على الانتقائية لأبرز العلماء والنّقّاد الذين أسهموا في ترسيخ قواعد هذه النظرية، مع متابعة تصف طوراً وتنقد طوراً آخر.
غير أن هذه الانتقائية لم تحل دون استيفاء المُنتقى واستقرائه، بتكثيف الصياغة والتّركيز على أهم المقبوسات. ومن هنا، جاءت مرجعيّة هذا المدخل متنوعةً بين كتبٍ في علم النفس وأخرى في النقد الأدبيّ الحديث والمعاصر.

وحسبنا في هذا المدخل إلى نظريّة النّقد النّفسيّ أن نعرّج في الفصل الأوّل، على أقطاب مدرسة التّحليل النّفسيّ، وعلى رأسها "فرويد" وتلامذته، كـ "يونع" و"أدلر" وكذا بعض من أفاد من آراء هذه المدرسة دون غلوٍّ، كـ "شارل بودوان" و"شارل مورون". وسلكنا "سانت بيف" في عداد الفرويديّين لا لانتمائه إلى مدرستهم، بل لقيام معظم أعماله في رسم صور الشخصيّات على بعض حقائق منهج التّحليل النّفسيّ.
وإذا أُتيح لنا ذلك، مضينا نتعقّب ملامح هذه النّظريّة في النّقد العربيّ الحديث، من خلال ثلاثة محاور، يقوم كلّ محور منها مقام الفصل، وهي:
1-دراسة شخصيّة الشّاعر: وقد اهتمّ بهذا المحور نقّاد كثرٌ، اخترنا منهم: العقّاد عباس، محمد النويهي، محمد كامل حسين، حامد عبد القادر.
2-دراسة عمليّة الإبداع: وقد اخترنا لهذه الدّراسة تجربة "سويف" نموذجاً، فتناولنا "نصّ الاستخبار" كاملاً، وكذا بعض إجابات الشعراء، ونتائج الاستخبار. واخترنا أيضاً للباحث نفسه تحليل مسودةٍ للشاعر "عبد الرحمن الشرقاوي" مع نسخةٍ مصوّرةٍ لها، حتى يسهل فهم بعض المواقف الإبداعية الغامضة.
3-دراسة العمل الأدبيّ: وهو المحور الذي شغف به عددٌ غير قليلٍ من النّقّاد والأساتذة والأكاديميّين، تناولناه عند: محمد خلف الله، أمين الخولي، حامد عبد القادر، عز الدين إسماعيل.
وإذا جمعنا هذه الفصول الثلاثة بعناصرها وأفكارها، فإنّها تُشكّل في نقدنا العربيّ الحديث نظريةً مكتملةً في النّقد النفسيّ، بَدَت ملامحها واضحةً أوائل هذا القرن، لجنوح معظم الأدباء والنّقّاد، في هذه الفترة، إلى الدراسات السيكولوجيّة، فكانت التجربة غنيّةً بالبحوث النفسيّة في دراسة شخصيّات الشعراء والأعمال الأدبية وكذا عمليّة الإبداع نفسها. ولهذا السّبب انصبّ الاهتمام -كما سيلاحظ القاريء -على النّقد العربيّ الحديث قياساً إلى الفصل الأوّل.
ونرى، أنّه لا سبيل إلى إدراك هذه النظرية إدراكاً حقيقيّاً إلاّ بعملٍ إجرائيّ يكمّلها ويُعمّق وعينا بها. ولهذا الغرض آثرنا أن يكون الفصل الخامس والأخير للدّراسة التطبيقية، تناولنا فيه سيكولوجيّة الصورة الشعرية في نقد العقاد مع نماذج في شعر ابن الرومي.
ونشير في النهاية، إلى أن الفضل في إنجاز هذا العمل، يعود إلى طلاب السنة الثالثة، في معهد اللغة والأدب العربي بجامعة تلمسان، الذين تعاقبوا دفعات، مدة سبع سنوات، على مقياس النقد الأدبي الحديث واتجاهاته. وكانت تتضاف كل سنة، معلومات جديدة إلى محاضرة.. الاتجاه النفسي في النقد الأدبي الحديث حتى بات من الضروري معالجتها بالتّشذيب والتّعذيب، وبالتحليل لتخرج إلى النور في هذا "المدخل إلى نظريّة النّقد النّفسيّ".



واللّه وليّ التّوفيق



زين الدين مختاري

تلمسان في 20 أكتوبر 1996


([1])تحتاج هذه الملامح، في تصوّرنا، إلى بحثٍ مستقلٍ، قائم برأسه، ليس فحسب عند عبد القادر الجرجاني، بل عند سائر النقاد العرب القدامى، حتى يكون البحث شاملاً.

([2]) فقد درس العقّاد على سبيل المثال: ابن الرومي وأبا نواس.. ودرس المازني ابن الرّومي أيضاً، ودرس النّويهي الشّاعرين نفسيهما، كما درس طه حسين وحامد عبد القادر أبا العلاء المعري..


التعديل الأخير تم بواسطة فارس م ; 17-01-10 الساعة 08:26 PM

رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
 
قديم 19-01-10, 08:09 PM   رقم المشاركة : ( 2 )
فارس م
ضفافي متميز

الصورة الرمزية فارس م

الملف الشخصي
رقم العضوية : 309
تاريخ التسجيل : 14-11-09
الجنس : ذكر
التخصص :
العمر :
الدولة : الجزائر
المشاركات : 1,346 [+]
آخر زيارة : 26-10-13(01:25 PM)
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : فارس م is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

فارس م غير متواجد حالياً

افتراضي

الفصل الأوّل

مدرسة التّحليل النّفسيّ



1-فرويد (1856م-1939م):

كان هذا العالم، في نظرنا، على حقٍّ حين اعترف بأنّ الذين ألهموه نظريته في التّحليل النّفسيّ هم الفلاسفة والشعراء والفنّانون، ([1]) لأن الإبداع على اختلاف أنواعه وأشكاله، هو الرحم الذي يحتضن النّفس الإنسانية بحالاتها ومتناقضاتها. فغالباً ما تكون الظاهرة غُفلاً في الحياة أو الطبيعة إلى أن يُقيّض لها رجلٌ عبقريٌّ، يخرجها للناس في صورة مشروع أو قانونٍ أو نظريةٍ أو تجربةٍ..وهذا ما قام به "فرويد" مستفيداً من تجارب سابقية، فكان زعيم مدرسة التّحليل النّفسيّ والرّائد في هذا المجال -وإن كانت الرّيادة لا تخلو أحياناً من مزالق ونقائص- إذا استطاع أن يرسم للجهاز النفسي الباطني خريطةً أشبه ما تكون بالخرائط "الطوبوغرافية"([2])؛ فقسّمه إلى ثلاثة مستويات، تمثّل الثّالوث الدّينامي للحياة الباطنية الإنسانية:
-المستوى الشّعوري "conscient".
-ما قبل الشّعور "preconscient".
-اللاّشعور "i,inconscience"([3]).
وهذا المستوى الأخير، هو الفرضيّة الأساسية التي تقوم عليها نظريّة التّحليل النّفسيّ، وينقسم بدوره إلى ثلاث قوى متصارعة، هي:
-الهُو "le ca": ويمثّله الجانب البيولوجي.
-الأنا "le moi": ويمثّله الجانب السيكولوجي أو الشعوري.
-الأنا الأعلى: "le sur moi”: ويمثّله الجانب الاجتماعي أو الأخلاقي...
وقد توصّل "فرويد" إلى غريزتين أساسيتين توجّهان هذا الجهاز النفسي أو السلوك الإنساني عموماً، هما:
-غريزة الحبّ أو الحياة "الإيروس" eros: وتمثّل الحاجات النّفسيّة البيولوجيّة التي تُتيح للفرد الاستمرار في حياته والمحافظة على بقاء نوعه([4]).
-غريزة الموت أو الفناء "التّناتوس" tanatos:
وتمثّل مختلف الرّغبات التي تدفع الفرد إلى العدوان والتّدمير([5]).
وقد انتهى "فرويد" إلى هاتين الفرضيّتين بعد أن عدّل من نظرّيته، إذ كان يعتقد أنّ الغرائر الجنسية “libido” هي الطّاقة التي توجّه سلوك الإنسان. ولكنّه اكتشف أن "اللّبيبدو" قد لا يتّجه دوماً نحو الآخرين بل قد يرتدّ إلى الذّات فيغرق الفرد في حبّ نفسه، وهذا ما يُسمّى "بالنّرجسيّة narcissisme" أو يُوقع الأذى والألم بنفسه للحصول على الإشباع الجنسي، وهذا ما يُسمّى بالمازوخيّة masochisme" وقد يحصل على هذا الإشباع بإيذاء النّاس وإيلامهم، وهذا ما يسمى "بالسّادية sadisme"([6]).
وليس لنا أن نسهب في تحليل هذا الجهاز بمستوياته وقواه وآلياته، وما يتّصل به من عُقدٍ وغرائز ومكبوتات، إذ يكفي أن نرسمه في هذا الشّكل لعلّه يغني عن التّفصيل.

صورة
وفي ضوء نظرية التحليل النفسي، وما يتصل بها من لا شعورٍ وغرائز جنسية وأحلام ومكبوتات، وَلجَ "فرويد" عالم الفنّ والفنّانين ليعرض عليه بضاعته السيكولوجية فكان من الأوائل الذين رسّخوا بالنظرية والتّطبيق علاقة علم النفس بالأدب والفنّ والنّقد، إذ تناول بالتّحليل النّفسيّ شخصيّات الفنّانين وأعمالهم الفنّية وعمليّة الخلق الفنّي والمتلقّي.
ولا يتّسع، بطبيعة الحال، صدر هذا المدخل لعرض كل آرائه في هذا المجال، ويكفي أن نشير إلى بعضها، فالفنّان عنده إنسانٌ عُصَابِيٌ(*) أقرب إلى الجنون لحظة العملية الإبداعية. وبعد الفروغ منها، فهو إنسانٌ عاديٌّ سويّ في كامل وعيه.
ومن هنا، اختلف الفنان عن العصابي الحقيقي فهو يستطيع تَخطّي عتبة اللاّشعور، والإفلات من رقابه الأنا الأعلى مُحقّقاً رغباته ومكبوتاته بوسائله الفنّية الخاصة وهو بعد ذلك، إنسانٌ عاديٌّ سويّ"، وهذا ما لا يستطيعه الإنسان العصابيّ غير الفنّان.

غير أن فرويد([7]) يرى أن الأحلام وسيلة من وسائل إشباع الرغبات التي قد تكون عَصِيّة التّحقيق في الواقع، ولكنه عدّل من هذه الفكرة حين اكتشف ما يسمّى بحالات "عُصاب الصّدمة:"، وهي الحالات المؤلمة التي تعتور المريض فيعود في أحلامه إلى تذكّر الموقف المؤلم الذي حدث له في الواقع، ومن ثمّ يصبح هذا الحلم صعب التّفسير، لأنه ينافي "مبدا اللذة"([8]).
ولعلّ الغُلوّ البادي في نظرية "فرويد"، هو اعتباره الغريزة الجنسية الباعث الأول على الفنّ وليس المحاكاة كما كان يرى فلاسفة الإغريق ومن تبعهم من فلاسفة ونقاد القرن 17و 18م. وعلى أساس هذه الغريزة وغيرها، ذهب يُحلّل شخصيتي "ليوناردو دافنتشي" و"دوستويفسكي" وأعمالهما الفنية، فبحث الإبداع الفنيّ عند الأول وحلّل حُلمه في طفولته، أي ذلك النّسر الذي حطّ عليه وهو في المهد، وفتح له منقاريه وأخذ يضربه على شفتيه مرات عدّة. فسّر "فرويد" هذا الحلم بالبطء الذي عُرف به هذا الرسام الإيطالي في إنجاز أعماله العظيمة، كما حلّل انحرافه الجنسي على مستوى اللاّشعور وعدم إكماله الكثير من أعماله الفنيّة والأعمال المكتملة كالموناليزا، ورؤوس النساء الضاحكات والقديسة آن([9]).
وتناول أيضاً بالتحليل النفسي شخصية الثاني -دستويفسكي- وروايته المعروفة" الإخوة كرامازوف" فوجد في هذه الشخصية الروائية كل المتناقضات، فهي تحمل، في تصوره، الفنان المبدع الخالق الجدير بالخلود. وتحمل، في الوقت نفسه، الأخلاقي والعُصابي، والآثم المجرم المتعاطف مع الآثمين المجرمين. والمهووس بالمقامرة، والمولع بتعذيب نفسه وتعذيب الآخرين. وهذا كلّه مجسّدٌ في روايته المذكورة إذ رآها "فرويد" صدىً لحياة هذا الروائي الشخصية وانفعالاته الباطنية أو اللاشعورية. وهي تحمل، فوق هذا جريمة قتل الأب والانحراف الجنسي...([10]).
ولم يقف "فرويد" عند حدود تحليل شخصية الفنان وعمله الفنيّ، وبيان الصلة النفسية بينهما وحسب، وإنما اهتمّ أيضاً بتحليل شخصيات وأبطال الأعمال الروائية والمسرحية كشخصية "هملت" وبطلة القصة "غراديفا" للكاتب الألماني
"ينسن" كما اهتمّ بتحليل عملية الخلق الفني، أو عملية الإبداع نفسها، فهي عنده شبيهة بثلاثة نشاطات بشرية هي: اللعب، والتخيل، والحلم، والمبدع لديه كالطفل أو المراهق، كلاهما يلعب ويتخيّل ويحلّم ليصنع لنفسه عالماً خياليّاً يتمتّع به، ويُصلِح فيه من شأن الواقع ويَسْتَعِيض به عن رغبته الحقيقية.([11])
ولم يغفل "فرويد" في تحليله النفسي القاريء، أو البحث عن حقيقة المتعة التي يجنبها المتلقي من قراءته الروائع الأدبية والفنية، فالمبدع، في تصوره، حين يصنع عالمه الخيالي، ويقدّمه في قالب فنّي، فكأنه يقدّم إلى القاريء إغراءً محفّزاً على الاستزادة من قراءة أعماله والاستمرار فيها. ولن يحصل المبدع على هذه الضّمانة إلاّ إذا استطاع أن يتجاوز تجربته الذّاتية إلى تقديم تجربةٍ عامّةٍ يشترك فيها جميع الناس، ويجد فيها القاريء، على الخصوص، ما يحقّق له متعته دون شعور بالحياء أو الذّنب، أي أن يجد رغباته وخيالاته مجسدة في تلك التجربة. ولن تتمّ متعة المتلقّي على أكمل وجه إلا إذا كان هناك تجاوبٌ بينه وبين المبدع في كثيرٍ من المواطن المشتركة. وهذه المواطن، تُكوّنها في نظر "فرويد" العُقد والحصارات، والمكبوتات، وكل ما اختزن في اللاّشعور من ذكريات الطفولة.([12]).
وقبل أن نعرض لبعض تلامذته، يجدر بنا أن نقول إنّه على الرّغم من الجهود الكبيرة التي بذلها هذا العالم في تحليل طبيعة الإبداع الفنّي، فإنّه لم يصل إلى حلّ حاسمٍ لها. وصرّح أن وسائل التحليل النفسي عاجزة عن فكّ مغالق العملية الإبداعية، بل على هذا المنهج أن يُلقِي عدّته أمام الفنّان المبدع، لأنه لم يصل إلى حقيقة عمله الفنيّ الإبداعي، وكل ما توصّل إليه لا يتعدّى بعض المظاهر والحدود. ومن هنا، أشار "فرويد" في أكثر من مناسبةٍ إلى أن الأدباء والفنّانين والشعراء، هم وحدهم أدرى بأسرار النفس الإنسانية، وإليهم يرجع الفضل في اكتشاف اللاّوعي. وعلى علماء النفس والطّب النفسي الإفادة من مكنونات الأعمال الأدبيّة والفنيّة.([13]).
2-أدلر (1870م-1937م):

من الطّبيعي أن يخالف التلميذ أستاذه أحياناً، أو ينشقّ عنه، أو يضيف إلى أفكاره شيئاً من اجتهاداته واكتشافاته. فهذا "ألفرد أدلر" صاحب مدرسة "علم النّفس الفرديّ" يخالف أستاذه "فرويد" في أن تكون الغريزة الجنسية السّبب الوحيد لظهور الأمراض العصابية، والباعث الأول على الفنّ. ويرى أن الشعور بالنّقض هو السّبب الرّئيسيّ في نشأة العُصاب، وأنّ الباعث الأساسي على الفنّ هو "غريزة حبّ الظّهور أو حبّ السّيطرة والتّملّك"([14])ولعلّ الشيء الذي يميّز نظريّة "أدلر" إلى جانب هذا الباحث هو اهتمامه بالجانب الاجتماعي. فالدوافع اللاّشعورية، في تصوّره، لا يمكن أن تقدّم بمفردها فهماً مكتملاً للطّبيعة البشرية؛ إذ لا بدّ من تفاعل عالم الشخصية الباطني بالعلاقات الشّيئيّة الموضوعيّة، وبخاصّةٍ العلاقات الاجتماعية؛ لأن الفرد، في نظره، ليس كائناً معزولاً عن وسطه الاجتماعي، يتصرّف بما يُمليه عليه نزوعه الفردي ودوافعه اللاشعورية. على أن "آدلر" مع هذا، لم يتعمّق السّياق الاجتماعي بتناقضاته، وبقي عنده محصوراً في غريزة حبّ السّيطرة والظهور، والتعويض والرّغبات اللاّشعورية والطّابع البيولوجي الوراثي. ومن هنا، لم يُحدِث اهتمامه بالجانب الاجتماعي انقلاباً في حركة التّحليل النّفسي([15]).
3-يونغ (1875م-1961م):

وهذا "كارل غوستاف يونغ" يرى أيضاً أن أستاذه "فرويد" غالى كثيراً في إعطاء هذه الأهميّة الكبيرة للغريزة الجنسية، حين عدّها سبب نشأة العُصاب عند الفنّانين، والباعث الأول على الفنّ. والحقّ، أن "فرويد" يوافق أستاذه على مبدأ "اللاّشعور" بوصفه مظهراً من مظاهر الفنّ، ويسمّيه "اللاّشعور الفردي أو الشخصي" أو "الخافية الخاصّة"، ولكنّه يُضيف إليه نوعاً آخر يسمّيه "اللاّشعور الجمعيّ" أو "الخافية العامّة". ويعدّه المنبع الأساسي للأعمال الأدبية والفنيّة، والبَوْتقة التي تنصهر فيها كلّ النماذج البدائية والرّواسب القديمة، والتّراكمات الموروثة والأفكار الأولى.([16]).
فاللاشعور الجمعيّ، بهذا المعنى، يمثّل خبرات الماضي وتجارب الأسلاف. وهو منطلق "يونغ" في تحليل عمليّة الإبداع بصورة عامة؛ فهذه العملية، تتمّ في تصوره، باستشارة النماذج الرئيسية المتراكمة في اللاّشعور الجمعي بوساطة "اللّيبيدو" المنسحب من العالم الخارجي، والمرتدّ إلى داخل الذات، وبوساطة الأزمات الخارجية أو الاجتماعية. وهذا ما يسبّب اضطراباً نفسيّاً لدى الفنّان، فيحاول إيجاد اتزّانٍ جديدٍ لنفسه.([17])
ومعنى هذا، أن كل المؤثرات يجب أن تمرّ عَبْر الخافية العامّة، في حين أن العملية الإبداعية عند "فرويد" تتم مباشرةً بالتّسامي، وعِلّتها الرئيسية تكمن تحت ضغط مركّب "أوديب" أو الرّغبات الشّقيّة المكبوتة في اللاّشعور العائد إلى سلوك الفرد ذاته، لا إلى الأفكار البدائية الموروثة. وقد انتهى "يونغ" إلى ما انتهى إليه أستاذه سابقاً، وهو أن عملية الإبداع الأدبي أو الفني عمليّة معقدةٌ غامضةٌ، لا يمكن لفرضيات التحليل النفسي أن تحل لغزها بسهولةٍ، وإن كان يقترح إيجاد منهجٍ فنيّ جماليّ لتعمّقها أو العودة إلى حالة "المشاركة الصوفية" لاستكناه بعض أسرارها.([18])
***
ومّما لا شك فيه، أن مدرسة التحليل النفسي قدّمت للأدب والفن خدماتٍ جليلةً، وحقّقت للنّقد مكسباً منهجيّاً جديداً؛ إذ فتحت أمامه آفاقاً واسعةً في تعمّق الصُّور الفنّية، وزوّدته بمفاتيح سيكولوجيّة لتحليل شخصيات الأدباء والفنّانين. فهي من هذه الناحية ذات فضلٍ كبيرٍ لا ينكر، في إرساء قواعد نظرية النّقد النفسي.
غير أن لهذا المنهج في دراسة الأدب ونقده آثاراً سلبيّةً واجهت انتقاداتٍ كثيرةً، وهي انتقادات لا تُبطل منهج التحليل النفسي من أساسه بقدر ما تسعى إلى مناقشته وإثرائه، ذلك أن دراسة عمليّةٍ معقّدةٍ غامضةٍ كعمليّة الإبداع الفني بوسائل تجريدية وفرضيات تخمينية، يكون مآلها التّعقيد والغموض أيضاً. ثمّ إن هذا المنهج سلب أهمّ حقٍّ للأعمال الأدبية والفنية، وهو الحقّ الجمالي والاجتماعي، حين حصر اهتمامه في دراسة شخصيات الفنانين على حساب الأثر الفني؛ فكانت المعالجة في النهاية معالجةً "كلينيكيّة" أو "عياديّة"؛ لأنّ الأساس الذي انطلق منه أساسٌ طبّيٌ([19]).

([1]) ينظر فرويد سيغموند، تفسير الأحلام، ص: 11. وينظر 12 Bellemin -n.j, psychanalyse et litterature, p11,

([2]) ينظر، فرويد، علم ما وراء النفس، ص: 58.

([3]) ينظر فرويد، الموجز في التّحليل النّفسيّ، ص71 وما بعدها. وينظر فرويد، مسائل في مزاولة التّحليل النّفسيّ، ص:31 وما بعدها. وينظر فرويد، الأنا والهذا، ص: 9-16و 27.

([4]) ينظر عبّاس، فيصل، الشّخصيّة في ضوء التّحليل النّفسيّ، ص76-77-

([5]) ينظر عبّاس، فيصل، الشّخصيّة في ضوء التّحليل النّفسيّ، ص76-77-78.

([6]) ينظر عبّاس، فيصل، الشّخصيّة في ضوء التّحليل النّفسي، ص:76-77.
ينظر عباس، فيصل، الشخصية في ضوء التحليل ص72.

(*) العصاب neurose اضطرابات وظيفية غير مصحوبة باختلال جوهري في إدراك الفرد للواقع، كما هو في الأمراض الذّهانية ويُميّز التّحليل النّفسيّ بين نوعين من الأعصبة الواقعية actual - neuroses مثل: النيروستانيا وعُصاب القلق، والأعصبة النفسية psycho- neuros وأهمّها الهستيريا والعصاب الوسواسي.."(1).

([7]) فرويد، الموجز في التحليل النفسيي ص 98-99.

([8]) ينظر، فرويد، تفسير الأحلام، ص: 149-185. وينظر فرويد، الموجز في التحليل النفسي، ص:107-108.

([9]) ينظر، فرويد التحليل النفسي والفن، دافنتشي ودستويفسكي، ص:32. وينظر، الواد، حسين، قراءات في مناهج الدراسات الأدبية، ص:5و6.

([10]) ينظر، فرويد، التّحليل النّفسيّ والفنّ، ص: 96 وما بعدها وينظر، محمد علي عبد المعطي، الإبداع الفنّي وتذوّق الفنون الجميلة، ص: 142.

([11]) ينظر، الواد، حسين، قراءات في مناهج الدّراسات الأدبيّة، ص: 7-8-9.

([12]) ينظر فرويد، الهذيان والأحلام في الفن ص:9 وما بعدها. وينظر الواد، حسين، قراءات في مناهج الدّراسات الأدبيّة، ص:7-8-9-.

([13]) ينظر، فرويد، التّحليل النّفسيّ والفنّ، ص:91-94 وينظر، العقاد، يوميات، ج2، ص:170.

([14]) ينظر: ليبين، فاليري، التحّليل النّفسيّ والفرويديّة الجديدة، ص: 113 وما بعدها.

([15]) ينظر، ليبين فاليري، التّحليل النّفسيّ والفرويديّة الجديدة، ص: 113 وما بعدها.

([16]) ينظر، يونغ، كارل غوستاف، علم النفس التّحليلي، : 29-30-191-194.
وينظر، محمد، علي عبد المعطي، الإبداع الفنيّ وتذوّق الفنون الجميلة، ص: 154-155-158-159-160.

([17]) ينظر، يونغ، كارل غوستاف، علم النفس التّحليلي، : 29-30-191-194.
وينظر، محمد، علي عبد المعطي، الإبداع الفنيّ وتذوّق الفنون الجميلة، ص: 154-155-158-159-160.

([18]) ينظر، يونغ، كارل غوستاف، علم النفس التّحليلي، : 29-30-191-194.
وينظر، محمد، علي عبد المعطي، الإبداع الفنيّ وتذوّق الفنون الجميلة، ص: 154-155-158-159-160.

([19]) Doubrouvsky, serge, pourguoi la nouvelle critigue, p, 122-123
  رد مع اقتباس مشاركة تمت مراقبتها مشاركة محذوفة
قديم 20-01-10, 09:21 PM   رقم المشاركة : ( 3 )
فارس م
ضفافي متميز

الصورة الرمزية فارس م

الملف الشخصي
رقم العضوية : 309
تاريخ التسجيل : 14-11-09
الجنس : ذكر
التخصص :
العمر :
الدولة : الجزائر
المشاركات : 1,346 [+]
آخر زيارة : 26-10-13(01:25 PM)
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : فارس م is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

فارس م غير متواجد حالياً

افتراضي

-شارل بودوان:

حاول هذا الباحث الإفادة من أخطاء الفرويديين في دراساته، فذهب مذهباً يختلف قليلاً عن منهجهم في المعالجة. فالفرويديون يرون العمل الأدبي أو الفّنيّ وثيقةً نفسيّةً صالحةً لِسَبْر أغوار الأديب النفسية وتحليل أمراضه العُصابية، أي أن هدفهم من هذا العمل إثبات صدق النظرية السيكولوجية، وليس التحليل الأدبي أو النقدي. وعلى العكس من ذلك، فإنّ التّحليل النفسي عند "بودوان" تحليلٌ نفسيٌّ أدبيٌّ، وشرحٌ وتقويمٌ من خلال الحقائق النفسية، والمتابعة الدّقيقة لمُكوّنات العمل الأدبي والمعطيات البيوغرافية للأديب أو الفنّان. وهو بهذه الطريقة يريد أن يُعيد بناء التّراكيب الأساسية الكامنة وراء النص الأدبي.([1]).
5-شارل مورون (1899م- 1966م):

استبعد هذا الباحث- وهو منُشئ النّقد النّفساني- أن يكون التحليل النفسي للأدب والفنّ مجرّد تحليلٍ "كلينيكيّ"، تَحْكمه قواعد التّشخيص الطّبيّ، كما استبعد أن يكون الأديب أو الفنّان -في كلّ الحالات- إنساناً عصابيّاً، أو أن يكون أدبه كشفاً عن أمراضه، علماً أنه لم يهمل بعض فرضيات التحليل النفسي في تناوله شخصية الأديب وعمله الأدبي.([2]).
وهذا ما قام به في دراسته لشخصية "راسين" ومسرحيّاته، إذ اهتمّ باللاشعور، ومركّب "أوديب" ومبدأ اللّذّة، والسّادية والمازوخيّة، والكَبْت الشّديد، ورقابة الأنا الأعلى..، ولم يهمل أيضاً تحليل الصّراعات الكامنة وراء المآسي، واستخلاص بنيتها المتجانسة بالاعتماد على العناصر البيوغرافية.([3]).

على أن "مورون" لم يقف عند فرضيات التحليل النفسي ذاتها، وإنما تجاوزها إلى تنوير الآثار الأدبيّة وخلق قراءةٍ جديدة لها. وفنّ القراءة هو الدّعامة الأساسية التي يقوم عليها منهج النقد النفسي عنده. فهو ينطلق من عوامل ثلاثة تكوّن الإبداع الأدبي، هي: الوسط الاجتماعي وتاريخه، وشخصية الأديب وتاريخها، واللّغة وتاريخها والعامل الثاني- أي شخصية الأديب وتاريخها - وهو موضوع النقد النّفسي في المقام الأول([4]).
ولكن هذا الموضوع يتّضح من خلال العناصر المكونّة للأثر الأدبي، أو من خلال تداعي الصور المجازية بعضها على بعض لتركيب شبكةٍ من الدّلالات المستقلّة عن التّراكيب الواعية المتمثّلة فيما اختاره الأديب من عباراتٍ وأفكارٍ. فهذه الشبكة الدّلالية تمثّل الجانب اللاّوعي من حياة الأديب الخفيّة، وهي التي تقودنا إلى الصّور الأسطورية، والحالات المأساوية والباطنية التي انطلق منها الأثر الأدبي.([5])ولم تكن شخصية الأديب أو الفنان وقفاً على أقطاب مدرسة التحليل النفسي، فهناك فريقٌ من النقاد عنى أيضاً بهذا الجانب، بعيداً بطبيعة الحال، عن الإغراق في سبحات التحليل النفسي. نذكر من هذا الفريق على سبيل المثال:
* سانت بيف (1804م-1868م):

المعروف" بصانع الصّور ونحّات العظماء"([6]). ويقوم منهج هذا الناقد الشاعر على تصوير الشخصية من الخارج والدّاخل، وذكر كل ما هبّ ودبّ عن حياتها الخاصة والعامّة: مولدها ونشأتها، وتربيتها، ومعيشتها، وأسرتها، وأقاربها وأصدقاؤها ووضعها الاجتماعي والمادّي، وأعمالها، ومؤلفاتها، وعاداتها وكل ما يتّصل بحالاتها النفسيّة وعلاماتها الجسدية.
وفي الحقيقة، لا يمكن للعمل الأدبي وحده أن يفي بهذه المطالب والمواصفات كلّها، إذ لا بدّ من الاستعانة ببعض الأخبار من الوثائق والسّجلاّت. وقد يكون هذا ميسور بالنسبة إلى شخصيّةٍ حديثة العهد، أمّا الشخصية القديمة التي لم يحتفظ لنا التاريخ بأخبارٍ كافيةٍ عن حياتها. فليس أمام النّاقد سوى أعمالها ومؤلفاتها، وهذا غير كاف إذ لا بد والحالة هذه، من الركون إلى الاجتهاد بالاعتماد على الحدس، والتأويل، والترجيح.
معنى هذا، أن صنيع "بيف" يختلف كل الاختلاف عن صنيع الفرويديّين، فهو بدراسة حياة الأديب لا يقف عند الحدود النفسية، وإنّما يتجاوزها إلى خلق عملٍ أدبيّ ثانٍ يسمّيه "السّيرة الأديبّة" أو "التاريخ الطبيعي" -وهو بهذا، يريد أيضاً أن يكون النّقد خلقاً وابتكاراً مستمرّين.
ولانغدو الحقيقة إذا قلنا، إن هذا النّوع من الدّراسات؛ أي -دراسة- شخصية الأديب أو الفنّان - هو الذي طغى على النصف الأول من هذا القرن سواء عند الأوروبيّين أم عند العرب، ولا أدلّ على ذلك كثرة المؤلفات والسِيّر التي تناولت حياة الأدباء والفنّانين، فضلاً عن حياة رجال الدّين والفكر والسياسة والاجتماع...
ومما لا شك فيه، أن لهذا الإغراق في استقصاء حياة العباقرة والعظماء أثراً سلبيّاً في النّقد الأدبي، لأنه ينحرف به عن وجهته الصّحيحة التي هي دراسة العمل الأدبي وتقويمه. ومن الأحسن أن يُدْرس هذا النّوع في مجاله الخاص به، وهو مجال "السّيرة" أو "البيوغرافيا".
***
أشرنا سابقاً إلى أن الأدب بأنواعه وأجناسه وأشكاله، هو الرّحم الذي يحتضن النفس الإنسانية بنوازعها وحالاتها. وبَدَ هِيٍّ إذن، أن تكون في النقد العربي القديم بُذور نفسية، ولكنها لا تعدو أن تكون إشارات عابرةً متفرقةً، ولا يمكن عدّها تقريراً كافياً لاتجاهٍ مكتملٍ أو منهجٍ صريحٍ.
وقد ذهب بعض النقاد([7]) يمتح هذه البُذور النفسية من كتب النقد العربي القديم لبيان بعض ملامح النقد النفسي عند النقاد العرب القدامى. وكانت هذه الملامح واضحةً عند ابن قتيبة في "الشعر والشعراء"، والقاضي الجرجاني في "الوساطة" وعبد القاهر الجرجاني في "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز". وليس لنا، في هذا المدخل أن نتصدّى لهذه الملامح، لأننا نخالها في حاجة إلى بحثٍ قائمٍ برأسه.
وإذا كانت في النقد العربيّ القديم بذورٌ نفسيةٌ بسيطةٌ، فإنّها في النقد العربي الحديث، ظهرت مكتملةً ناضجةً، وخصوصاً في النصف الأوّل من القرن العشرين. وهذا خلاف الاتجاهات الأخرى التي مرّت بمراحل تطوّرٍ.
وقد نضجت هذه البذور النفسية في نقد جماعة الدّيوان ومن تبعها من الأدباء والنقاد والأساتذة الأكاديميين. ويّعدّ عبد الرحمن شكري (1866-1958)، على الخصوص، من الرّعيل الأوّل الذي استفاد من معطيات علم النفس في دراسة الشعر. وتبعه عبد القادر المازني (1890م-1949م) بمقالٍ سنة 1914م درس فيه شخصية "ابن الرومي" دراسةً نفسيةً ثم عبّاس محمود العقاد (1889م-1964م) في دراسةٍ مماثلةٍ للشاعر نفسه، ولأبي نواس وغيرهما، كما تناول محمد النّويهي بالدّراسة النفسية الشاعرين أيضاً. ولم تخل دراسات طه حسين للمتنبّي وأبي العلاء المعرّي من هذا النزوع النفسي، وإن انتقد بشدّةٍ الإسراف فيه([8]).
وهكذا، توالت في زمن هؤلاء الرّواد وبعدهم الدراسات النفسية لشعراء تجلّت فيهم وفي شعرهم -كما أشرنا- النزعة الفردية.
ونستطيع، على كل حال، أن نتعقّب ملامح نظرية النّقد النفسي في النقد العربي الحديث من خلال ثلاثة محاور، يقوم كل محورٍ منها مقام الفصل:
1-دراسة شخصية الشاعر.
2-دراسة عملية الإبداع.
3-دراسة العمل الأدبي.
وستكون هذه المحاور أو الفصول متبوعةً بدراسة تطبيقيّةٍ عنوانها: سيكولوجية الصورة الشعرية في نقد العقاد مع نماذج في شعر ابن الرومي.





([1]) ينظر، كارلولي وفيللو، تطور النقد الأدبي في العصر الحديث ص: 186.

([2]) ينظر جماعة من النقاد:
les chemirs actuels de la critigue, p: 379-380-381.

([3]) ينظر جماعة من النقاد:
les chemirs actuels de la critigue , p:379-380-381.

([4]) ينظر جماعة من النقاد:
les chemirs actuels de la critigue , p:379-380-381.

([5]) ينظر جماعة من النقاد:
les chemirs actuels de la critigue , p:379-380-381

([6]) ينظر كارلوين وفيللو، النقد الأدبي، ص: 37-38
وينظر: 174-170-165: Le chimins actuels de la critigue p

([7]) من هؤلاء النقاد، ينظر:
-خلف الله، محمد، من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده، ص:48-49و72-73.
-البستاني محمود عبد الحسين، المناهج النقدية في نقد المعاصرين، ص: 7
-أبو الرضا، سعد أبو الرضا محمد، الاتجاه النفسي في نقد الشعر، ص: 100و150.

([8]) ينظر طه حسين، خصام ونقد، ص221 وما بعدها، وص: 228 وما بعدها وص:257.
  رد مع اقتباس مشاركة تمت مراقبتها مشاركة محذوفة
قديم 21-01-10, 06:53 PM   رقم المشاركة : ( 4 )
فارس م
ضفافي متميز

الصورة الرمزية فارس م

الملف الشخصي
رقم العضوية : 309
تاريخ التسجيل : 14-11-09
الجنس : ذكر
التخصص :
العمر :
الدولة : الجزائر
المشاركات : 1,346 [+]
آخر زيارة : 26-10-13(01:25 PM)
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : فارس م is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

فارس م غير متواجد حالياً

افتراضي

الفصل الثاني

دراسة شخصية الشاعر


وهو المحور الذي يدرس شخصية الشاعر من شعره وسيرة حياته، متّكئاً، في الوقت نفسه، على السّياق النفسي وما يتّصل به من علم إحياءٍ، ووراثةٍ، ووظائف بيولوجية وفيزيولوجية، وجنسية..
وقد أشرنا إلى أن ملامح هذا المنحى النّفسي، بدأت تظهر في مطلع هذا القرن، حين حاول المازني تصوير شخصية ابن الرومي تصويراً نفسيّاً. وتبعه في ذلك العقاد بكتاب كامل عن الشاعر نفسه "ابن الرومي حياته من شعره" فضلاً عن دراسات طه حسين، والنّويهي..
ولم يقتصر هؤلاء الأدباء والنقاد على دراسة شخصيات غيرهم، وإنّما كتبوا عن أنفسهم ما يُشْبِه السّيرة الذّاتية. كتب المازني "إبراهيم الكاتب" و"إبراهيم الثاني"، وكتب العقاد" وأنا و"عالم السدود والقيود" و"سارة"، وكتب طه حسين "الأيام"، وكتب أحمد أمين قصّة حياتي...
ونخال هذا الجانب الوافر من أدبنا العربي الحديث بحاجةٍ إلى تغطيةٍ شاملةٍ ببحث علميّ مستقلٍّ، يتناول بالمقاومة مع السّير الغربية الذّاتية الخصائص النفسية، والاجتماعية، والفنية، والجمالية..



1-ويُعدّ "العقّاد"

أحد من تبنّوا بالدراسة النفسية شخصية الشاعر أو الأديب؛ إذ تناول ما يربو على الثلاثين شخصية من القديم والحديث، وفي مختلف الحقول المعرفيّة: شعريّة، وأدبية، وفكرية، وسياسية، واجتماعية.. فضلاً عن سيرته الذاتية.
وتقوم الدراسة البيوغرافية للشعراء والعباقرة، عند العقاد، على المقومات الآتية:
1-رسم الصورة النفسية والجسدية.
2-استنباط مفتاح الشخصية.
3-أما الدراسة نفسها، فتعتمد على منحيين اثنين أولهما: المنحى "النّفسيّ الفنّيّ" أو "السّيكوفنّيّ"، ثانيهما: المنحى "النّفسيّ الجسميّ" أو "السّيكوسوماتي".
-واعتمد العقاد في رسم الصورة النفسية على ظروف العصر والبيئة، والنشأة، والسياسة، والثقافة، وكل ما يتّصل بهذه الظروف من عوامل الاستعداد الموروث من جانب الأبوين، وعوامل الاستعداد الفطري من جانب تكوين الشخصية ذاتها، كالتكوين النفسي والخلقي والمزاجي. وينبغي أن نعرف أن هذه الظروف والعوامل لم تكن مقصودةً لذاتها بوصفها أدواتٍ معرفيّة، وإنما توسّل بها الناقد الوصول إلى ملامح الصورة النفسة.([1])
أما الصورة الجسدية، فقد اعتمد في تشكيل ملامحها على الوصف الخارجي للبنية الجسدية، وكل ما يتصل بهذه البنية من علامات مميّزة. وهذه العناية يوصف الملامح النفسية الجسدية تجسّد ما يُسمّى في علم النفس بـ "التّشخيص النفسي" psychodiagnos" القائم على دراسة الشخصية بوساطة الظواهر الخارجية([2]).
وإذا أخذنا هذه الصورة النفسية الجسدية بظروفها التاريخية والبيئية، وبعواملها الوراثية والفطرية، فإنّها تدخل في إطار ما يُسمى بـ"فلسفة التّاريخ" إلى جانب الدراسة الأدبية والفهم "السّيكوبيوغرافي" والناقد بهذا الصّنيع، لا يختلف كثيراً عن هؤلاء "الكتاب المولعين برسم صور الشخصيات كـ "سانت بيف" و"لبيتون ستراتشي" و"إميل لودفيج" وغيرهم من كتاب السّيرة.([3]).
أما المُقوّم الثاني الذي قامت عليه الدراسة البيوغرافية، فهو "مفتاح الشخصية". وأقرب مفتاح -على سبيل المثال- إلى شخصية أبي بكر الصّديق، هو "الإعجاب بالبطولة"([4]) أما مفتاح شخصية عمر بن الخطاب، فهو "طبيعة الجندي"([5]).
ويحمل هذا المفتاح، عند العقاد، أكثر من رسم فهو "محور الحياة" و"مسبار الطبيعة"، وهو تلك "الأداة الصغيرة التي تتيح لنا فكّ مغالق الشخصية والنّفاذ إلى سريرتها، دون أن تزيد على هذا، لأنها لا يمكن أن تحيط بكل صفاتها وخلائقها، ولا يمكن أن تمثّل كل خصائصها ومراياها، تماماً كما هو مفتاح البيت قد ينفذ بنا إلى حصنه المغلق وراء الأسوار والجدران، ولكنه لا يصف شكله وصفاً تامّاً، ولا يمثّل اتساعه تمثيلاً كاملا.([6])
فمفتاح الشخصية، بهذا المعنى، شبيه بمفتاح البيت، كلاهما صادقٌ قد يسهل أو يصعب إيجاده بحسب طبيعة الشخصيات والبيوت، وليست السهولة والصعوبة- ههنا في نظر العقاد - مرتبطين بالكبر والصغر، أو بالحسن والدّمامة، أو بالفضيلة والنقيضة. فقد نلج الشخصية العظيمة بمفتاح بسيط وعلى العكس من ذلك، قد يتعذّر علينا إيجاد مفتاح الشخصية الهزيلة الناقصة. تماماً كما هو البيت أيضاً، فقد يكون كبيراً حصيناً، ومع هذا، فهو غير عسير الفتح، نلجه بمفتاح صغيرٍ، في حين يصعب فتح البيت الصغير المتواضع.([7]).
وقد لا تكون هذه المقارنة ذات قيمة إذا أدركنا أن مفتاح الشخصية، على الخصوص، يحمل دلالةً سيكولوجيةً أعمق منها. فالمقصود بهذا المفتاح من مجمل دراسات العقاد البيوغرافية، تلك "السّمة الغالبة"([8]) على سلوك الشخصية وخلائقها وصفاتها وعاداتها، وهي التي تميّز الشخصية عن غيرها من الشخصيات.
ونلاحظ أن مصطلح "السّمة الغالبة" الذي استخدمه الكاتب في تعريف المفتاح هو المصطلح نفسه في علم النفس ويدعى "le trait dominant"([9]). ومن هنا، فإننا إذا عرضنا هذه السّمة على نظريات التحليل النفسي للشخصية، فإننا نرى أن مفهومها قريب -إلى حدٍّ ما- ممّا يسمى" -بنظرية السّمات theorie de traits"([10]).
-أما المقوّم الثالث والأخير الذي قامت عليه الدّراسة البيوغرافية، فيتعلق بطريقة الدراسة ذاتها أو المعالجة نفسها، وتتّكئ هذه الطريقة على منحيين اثنين: أوّلهما، "المنحى النفسي الفنّي"، اصطلحنا على تسميته المنحى "السيكوفنّي psycho- artistique"، ويسعى إلى ربط فنّ الشاعر بمزاجه وسلوكه وحياته النفسية الباطنية، لاستخلاص صورة "سيكوفنّية". وقد مسّ هذا المنحى كل الشعراء وخصوصاً "عمر وجميل" وإن كانت الغلبة للتّقويم النفسي على التقويم الفنّي.
ثانيهما، "المنحى النفسي الجسمي "أو السيكوسوماتي" "psycho - somatique" وهو في الطبّ النفسي دراسة العلاقة بين الحالات النفسية السّوية أو غير السوية أو المرضية والظواهر الجسمية أو البدنية([11]) وتكون هذه الحالات والظواهر مصحوبةً في الغالب باضطرابات في الوظائف البيولوجية والفيزيولوجية والعصبية والجنسية، وبعوامل انفعالية من ناحية الشعور أو الإحساس والإدراك وتغيّر السلوك، وترافقها أيضاً علامات جسدية، تظهر في تعابير الوجه والوضعية والحركة، وغالباً ما يخضع المريض في هذه الحالات المرضية الشديدة إلى فحصٍ سريريٍّ لتشخيص آفاته النفسية والجسمية.([12]).
فالمنحى "السيّكوسوماتي"، بهذا المعنى، يعتمد على حقائق الطب النفسي في تحليل الشخصية تحليلاً نفسيّاً وجسميّاً. ولكنه -عند العقاد- لا يتعدّى، في الغالب، وصف البنية النفسية الجسدية، وتحليل بعض اضطراباتها واختلالاتها بالاعتماد على شعر الشاعر، وعلى شيءٍ من أخباره الخاصة والعامّة.
ولهذا، فكلمة منحى، في نظرنا، أنسب من كلمة "منهج"، لأن المنهج يتطلّب متابعةً صريحةً ودقيقةً لخطواته، وإن كان يصحّ إطلاقه على دراسة العقاد النفسية لأبي نواس: ففي هذه الدراسة بدا الاسراف واضحاً في تطبيق المنحى السيكوسوماتي بحقائقه الطبية النفسية([13]). وهو المنحى نفسه الذي مسّ عدداً غير قليلٍ من شخصيات العباقرة والعظماء([14]).

([1]) ينظر على سبيل المثال:
-العقاد، جميل بُثينة، ص: 243 وما بعدها وص:263-265-295.
-العقاد، شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة، ص:172-173-176-223.
-العقاد، أبو نواس، ص:25 -27-77-128.
-العقاد، ابن الرومي حياته من شعره، ص:3و10و46و69.
-العقاد، أبو العلاء المعري، ص:311و318.
-العقاد، عبقرية الصديق، ص:168.
-العقاد، المجلّد الأول، عبقرية عمر، ص:379-390-391. وينظر، سيّد قطب، النقد الأدبي، أصوله ومناهجه، ص:99.

([2]) ينظر، عاقل، فاخر، معجم علم النفس، ص:90.

([3]) ينظر، دياب، عبد الحي، عباس العقاد ناقداً، ص: 293.
وينظر عباس، إحسان، فن السيرة، ص: 48-49-50-51.

([4]) العقاد، عبقرية الصديق، ص:227.

([5]) العقاد، عبقرية عمر بن الخطاب، ص:434.

([6]) العقاد، عبقرية عمر بن الخطاب، ص:433.

([7]) ينظر، العقاد، عبقرية عمر بن الخطاب، ص: 433-434.

([8]) ينظر، العقاد، عبقرية عمر بن الخطاب، ص: 433-434

([9]) ينظر: مرسي، مغاوري مهام، مقالة: المنهج النفسي في أدب العقاد ص:30.

([10]) ينظر، عباس، فيصل، الشخصية في ضوء التحليل النفسي، ص: 26.

([11]) ينظر، أبو النّيل، محمود السيد، الأمراض السيكوسوماتية، الأمراض الجسمية النفسية المنشأ، ص:43.

([12]) ينظر، شيغو، محمد معلا، الطب النفسي، ص:75،76.

([13]) ينظر، العقاد، أبو نواس، ص:36 وما بعدها
وينظر، حسين طه، خصام ونقد، ص: 234،237،257.

([14]) ينظر على سبيل المثال:
العقاد، عبقرية عمر، ص:390،391،392.
العقاد، العبقريات الإسلامية، عبقرية خالد بن الوليد، ص:892-893-899.
  رد مع اقتباس مشاركة تمت مراقبتها مشاركة محذوفة
قديم 22-01-10, 02:53 PM   رقم المشاركة : ( 5 )
فارس م
ضفافي متميز

الصورة الرمزية فارس م

الملف الشخصي
رقم العضوية : 309
تاريخ التسجيل : 14-11-09
الجنس : ذكر
التخصص :
العمر :
الدولة : الجزائر
المشاركات : 1,346 [+]
آخر زيارة : 26-10-13(01:25 PM)
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : فارس م is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

فارس م غير متواجد حالياً

افتراضي

ومهما يكن من أمرٍ، فإن العقاد يفضّل مدرسة النقد السيكولوجي" على سائر المدارس الأخرى، لأنها أقرب إلى رأيه وذوقه معاً: فهي تتيح له تلمّس الفوارق النفسية بين شعراء عدّة يعيشون في مجتمع واحدٍ وحقبةٍ زمنيةٍ واحدةٍ([1]).
وهذا ما لا تستطيعه، في تصوره، المدرسة الاجتماعية والمدرسة الفنية أو البلاغية. فالأولى تكتفي بتفسير عوامل العصر في المجتمع الواحد، ولا تفسّر تلك الفوارق السيكولوجية، في حين تقتصر الثانية على تفسير أسباب شيوع الذوق المختار تفضيلاً لأسلوب من الأساليب في التّعبير، ولا تنفذ بنا إلى أسرار الإنسان المبدع والمتذوق، كما لا يعرّفنا به وبقدرته على الإبداع.([2])
ويخلص العقاد من هذا إلى أن النقد النفسي أكثر سعة وحيوية من المدرستين، لأنه يحيط بهما، بل يغنينا عنهما حين يعطينا البواعث النفسية المؤثرة في شعر الشاعر وكتابة الكاتب. ولا بد، في نظره، أن تحيط هذه البواعث جملةً وتفصيلاً بالمؤثرات المعيشية التي تأتي الشاعر والكاتب من مجتمعيهما وزمانيهما([3]).
ومن هنا، تتجلى قدرة النقد النفسي أو الناقد السيكولوجي، وآية هذه القدرة "أن يشمل العصر كله بمقاييسه النفسانية حيث يهتدي إلى وجوه المشابهة في الأعماق، فيرجع بها إلى سببٍ واحدٍ شاملٍ لجميع المناهج والأساليب والدوافع السيكولوجية، وإن بدا عليها أنها تفترق أبعد افتراقٍ([4]).
ولم يكن العقاد يعنى كثيراً بحوادث العصر وواقعه وتواريخه إلا بالقدر الذي يتيح له الوصول إلى غرضه النفسي، وهو رسم الصورة النفسية الجسدية للشخصية. والناقد، في الحقّ، لم يحدّد جنس مدرسته السيكولوجية، لأن لعلم النفس -كما هو معروف- مدارس كثيرةً وطرائق مختلفةً. واكتفى بالقول إنّه لم يكن يوماً من أشياع مدرسة "فرويد" وتلاميذه في الدراسات النفسية.([5])
ولم تكن غايته من دراسة نفوس الشعراء التحليل النفسي الفرويدي، وإنما هو يرجع إلى نفس الشاعر حين يلتمس -كما أشرنا- الفوارق السيكولوجية التي لا تفسّرها البيئة الاجتماعية، وهي واحدة، في نظره، حيث يختلف العشرات بل المئات من الشعراء. ويصرّح إلى جانب هذا، أنه ما كتب عن شاعر واحدٍ دون أن يحيط الكلام عليه بالبحوث المطولة عن أحوال عصره ومعنى ظاهرته من الوجهة الاجتماعية([6]).
***
واهتم العقاد أيضاً، بالفكرة الجمالية -وما يتصل بها من حريّةٍ وتناسبٍ، وإحساس،ٍ وجميلٍ، وجليلٍ، وقبيحٍ وإدراكٍ، وذوقٍ.. معتمداً على فهمه النفسي والفلسفي.
ونستطيع أن نلخّص هذه العلائق الجمالية في النقاط الآتية:
-إن الجمال عنده، هو انعتاق النفس والجسم من العوائق النفسية والبيولوجية. ومن هنا، كان منافياً للقيود والأوزان مرتبطاً بالحرّية والخفّة أو الرّشاقة والحركة في وظائف الأعضاء، على أن هذه الحرية عموماً، ليست مطلقة، لأنها تخضع أحياناً إلى بعض القيود والأوزان والقوانين لاجتناب الفوضى؛ فالعمل بين هذه الحواجز لا يُعطّل الشعور بالحرية، بل هو مسار ما في النفوس من جوهرها..([7])
-وإذا كان التّناسب شرطاً ضرورياً للجمال، فإن هذا الجمال يوجد في غير التناسب إذا زالت العوائق النفسية التي تناقض الشعور به مثال ذلك "الزرافة"([8]).
-إن الإحساس بالجمال يخضع لعامل سيكولوجي يتمثّل في الصلة النفسية الروحية بين مدرك الجمال والموضوع الجمالي، فالحكم الجمالي يتوقّف على طبيعة الاستعداد النفسي لمُدِرك الجمال وعلى ما يشعّ في الموضوع الجمالي من حركةٍ وحياةٍ، فقد يكون الوجه قسيماً وسيماً ولكن عائقاً في تكوينه أو في نفس المُدِرك يُحُول دون الاعجاب به([9]).
-ومن هنا، كان للجميل والجليل علاقة "سيكوجمالية" بالدّاخل والخارج، أو بالنفس والموضوع الجمالي، وهذه العلاقة تحكمها طبيعة الحالات النفسية لحظة الهدوء والتوتّر. فالجميل، عند العقاد، مظهر القدرة تقابله النفس بالإعجاب، والجليل مظهر القوة تقابله النفس بالخشوع.([10]) وقد ينعكس المظهران، في تصوّرنا، في النفس بحسب الحالة الشعورية.
-إن الجليل بأطرافه المتناقضة من: هلعٍ وإعجابٍ وخوفٍ وإقبالٍ، وموتٍ وحياةٍ.. واقعةٌ جماليةٌ وعنصرٌ أساسيٌ في الحياة، لا يمكن الشعور به إلا ممتزجاً بالجميل([11]).
ومدار هذا التمازج على علاقة النفس بالطبيعة، أو الذات بالموضوع، أو الداخل بالخارج، وقد استمدّ العقاد هذه العلاقة "السيكوجمالية" من الموقف الرومانسي([12])، كما أدرك جدليّتها بين الدّاخل والخارج.([13]). لأن الجمال خارج خواطر الإنسان وحالاته النفسية والذهنية شيءٌ جامدٌ لا قيمة له، وإن كان يحمل هذه القيمة في ذاته.([14])
- وللقبيح أيضاً قيمة "سيكوجمالية" في التعبير الفنّي إذا كان الغرض من تصويره بيان حالةٍ نفسيةٍ أو حقيقةٍ جماليّةٍ.([15])
-إن العلاقة بين الإدراك الجمالي والظاهرة الجمالية علاقة تجريد عقلي، عند العقاد، تتجاوز الرؤية الحسّية إلى التأمّل الدّقيق في حيثيات تلك الظاهرة، للوقوف على مظاهر القبح والجمال فيها، وإدراك شكلها الكلي. وهذه النظرة الكلية الشاملة، هي الوسيلة التي ندرك بها الكون في كليته وشموليته. ولن يتم هذا إلا برؤية باطنية تدعى "عين الباطن" أو "الوعي الباطن" الذي يستخدمه المتصوّف في إدراك حقائق الكون([16]).
-إن الإدراك الجمالي، عند العقاد، لا ينحصر في جزءٍ من حياة الإنسان، وإنّما يشمل كل قدراته النفسية وطاقاته الذهنية والغريزية، ولهذا فهو مطابق لعملية "الفهم" التي ترادف الحسّ، والغريزة، والعطف، والبديهة والخيال، والتفكير، والمعرفة الكونية والنفسية والشيئية([17]).
وهذه العناصر التي تُكوّن الفهم الكامل أو الإدراك التام، هي العناصر نفسها التي تُكوّن لذي الرومانسيّين عالم الفنان الداخلي أو بصيرته الشعرية([18]).
-إن للذوق في الفن قيمة سيكوجمالية، عند العقاد، تتجلى في قدرته على الخلق والإبداع. ويمتاز بالدقة والطبع والحسّ الجمالي والخبرة العلمية، والدّربة الفنية. وهو بهذه المواصفات، لا يختلف كثيراً عن الإدراك الجمالي. ولكنه خلاف الذوق المتملّي أو المستمتع القائم على الرتابة والتكرار([19]) ويرجع تفاوت الأذواق وتباينها إلى طبيعة الأطوار النفسية، لذلك كان على صنفين: صنف واقعي محافظ، وصنف خيالي مجدّد.([20]).
والنّتيجة العامة التي يمكن استنباطها، هي أن النقد النفسي للفكرة الجمالية، عند العقاد، كان يرفده في أغلب الأحيان، تعليلٌ فلسفيٌّ، ولا غرو في ذلك، فالواقعة الجمالية، كما هو معروف، واقعةٌ فلسفيةٌ ذات صلةٍ وشيجةٍ بنفس الإنسان وشعوره.([21]).
كما تبدّى النقد النفسي واضحاً في معالجة العقاد للشعر بالنظرية والتطبيق؛ إذ تناول بالاستقصاء النفسي طبيعة التجربة الشعرية ووظيفتها([22])، والوحدة العضوية([23])، والتعبير الشعري وما يتّصل به من صورٍ شعريةٍ([24])وخيالٍ([25]) وتشبيهٍ([26])، ولغة شعريّةٍ([27]).
وبطبيعة الحال، لا تتّسع جعبة هذا المدخل لاستيعاب كل هذه المفهومات بالتّفصيل. ويكفي أن نُشير إلى أن مجال تطبيقها كان في الغالب شعر "أحمد شوقي"، ثم إنها لم تكن موجّهةً إلى تنوير العمل الشعري نفسه، وإنما استغلّها صاحبها للوصول إلى شخصية الشاعر إخلاصاً للمبدأ النقدي الذي نادى به طوال حياته، وهو أن "الشاعر الذي لا نعرفه من شعره لا يستحقّ أن يُعرف"([28]) ولعله يؤمن ههنا برأي ستيفن سبندر"، وهو أننا نعرف الرجل عن طريق شعره أكثر ممّا نعرفه عن طريق دقائق حياته([29]).
نفهم من هذا كلّه أن السّمة الغالبة على دراسات العقاد النقدية والأدبية، هي سمة الفردية أو التفرد لإيمانه بالوعي الفردي، وهي إحدى خصائص النقد النفسي عنده والأساس الذي ترتكز عليه النظرية الرومانسية عموماً، وهي النظرية التي ألهمت الناقد ضرورة تفرّد الأديب بشخصيته، بل جعلته يعتقد أن التاريخ الإنساني ييأخذ مساره من الاجتماعية إلى الفردية([30]) ولعل إيمانه، أيضاً بضرورة تجسيد العمل الأدبي لشخصية الأديب، جعله لا يحفل كثيراً بالصّلة التي تربط هذا الأديب بواقعه الاجتماعي، بل إن هذا الإيمان دفعه إلى الإمعان في موقفه المتعنّت من دعاة الواقعية الاشتراكية في مصر([31]).

([1]) ينظر، العقاد، يوميات، ج 2ص: 10-425.

([2]) ينظر، العقاد، يوميات، ج 2ص: 10-425

([3]) المرجع السابق.

([4]) العقاد يوميات، ج2، ص:10.

([5]) ينظر العقاد، يوميات ج2، ص425.

([6]) ينظر العقاد، يوميات، ج: 2- ص425.

([7]) ينظر، العقاد، مراجعات في الآداب والفنون، ص: 48-49-52 . وينظر العقاد، مطالعات في الكتب والحياة، ص:209-252.
وينظز العقاد، هذه الشجرة، ص:25و27و33و39و47و49.

([8]) ينظر، العقاد، هذه الشجرة، ص:28.

([9]) ينظر، العقاد، مراجعات في الآداب والفنون، ص:49-53.
وينظر العقاد، مطالعات في الكتب والحياة، ص: 56-290.

([10]) ينظر العقاد، خلاصة اليومية والشذور، ص:24-25.

([11]) ينظر العقاد، خلاصة اليومية والشذور، ص:24-25.

([12]) ينظر، اليافي، نعيم، الشعر العربي الحديث، ص:43-47-48.

([13]) ينظر، نوفل، يوسف، رؤية النص الإبداعي بين الداخل والخارج، ص:61.

([14]) ينظر العقاد، مطالعات، ص:291.

([15]) ينظر العقاد، ساعات بين الكتب، ص: 231-322.

([16]) ينظر، العقاد، هذه الشجرة، ص40.
وينظر، العقاد، الله، ص50.

([17]) ينظر، العقاد، ساعات، ص:241.

([18]) ينظر الربيعي، محمود، في نقد الشعر، ص:134.
ينظر العقاد، خلاصة اليومية، ص:98.

([19]) ينظر، العقاد، شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ص168 وما بعدها.

([20]) ينظر، العقاد، حياة قلم، ص:614-615.

([21]) ينظر لالو، شارل، مبادئ علم الجمال، ص:41.

([22]) العقاد، مطالعات، ص: 290، وساعات، ص126.

([23]) العقاد، الديوان في النقد والأدب، ص:585.

([24]) العقاد، مراجعات، ص:150-153.
وينظر العقاد، ابن الرومي حياته من شعره، ص:260و262.
وينظر العقاد، ساعات، ص309و411.

([25]) ينظر، العقاد، ساعات، ص200و224و241.
ويسألونك، ص25،26، ومطالعات، ص5.

([26]) ينظر، العقاد، اللغة الشاعرة، ص37 وابن الرومي، ص264،265 وينظر العقاد، شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، ص71-72.

([27]) ينظر العقاد، خلاصة اليومية، ص16.
وينظر العقاد الفصول، ص225،226،223.
وينظر، العقاد، يسألونك، ص169،294،295.

([28]) العقاد، ساعات، ص510.

([29]) ينظر سبندر، ستيفن، الحياة والشاعر، ص64.
وينظر، شايف، عكاشة، اتجاهات النقد المعاصر في مصر ص:124.

([30]) ينظر شايف، عكاشة، اتجاهات النقد المعاصر في مصر، ص124.

([31]) ينظر العقاد، شعراء مصر...، ص195-196.
  رد مع اقتباس مشاركة تمت مراقبتها مشاركة محذوفة
قديم 23-01-10, 08:55 PM   رقم المشاركة : ( 6 )
فارس م
ضفافي متميز

الصورة الرمزية فارس م

الملف الشخصي
رقم العضوية : 309
تاريخ التسجيل : 14-11-09
الجنس : ذكر
التخصص :
العمر :
الدولة : الجزائر
المشاركات : 1,346 [+]
آخر زيارة : 26-10-13(01:25 PM)
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : فارس م is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

فارس م غير متواجد حالياً

افتراضي

ب-واهتم "محمد النّويهي"

على غرار العقاد بتحليل شخصيات الشعراء تحليلاً نفسيّاً، وإن اختلفت النتائج في الظاهر لاختلاف الفرضيات السيكولوجية، ولكن المنحى النفسي العام في المعالجة يبقى هو هو، ويقوم عند هذا الناقد، أيضاً، على شيءٍ من المنحى "السيكوفنّي" وعلى الإسراف في استخدام المنحى "السيكوسوماتسي" أو "الطبّي النفسي"؛ إذ تناول هو الآخر بالتحليل النفسي شخصيتي ابن الرومي والحسن بن هانيء.
ويجدر بنا في البداية، أن نفهم نظرية النّقد النفسي عند هذا الناقد، لنصل بعد ذلك إلى النتائج التي انتهى إليها في دراسة شخصيات الشعراء. ويمكن تلخيص نظريته في مفهومين أساسين هما:
-تنفيس الفنان عن عاطفته وتوصيلها إلى الناس.
-الأدب صورة نفسية لشخصية الشاعر أوالأديب فالتّنفيس والتّوصل، عنده، دافعان متلازمان وشرطان ضروريان لبروز الفنّ" ولا يغني أولهما عن ثانيهما، هما: رغبة الفنّان في أن ينفّس عن عاطفته، ورغبته في أن يضع هذا التنفيس في صورةٍ تثير في كل من يتلقّاها نظير عاطفته"([1]).
والتنّفيس والتّوصيل مسألتان واردتان في النقد النفسي والأدبي؛ فأيّ عمل يبدعه أديبٌ صادقٌ أصيلٌ، إنما يريد منه التنفيس عن همومه ورغباته وعواطفه، وهو لا يكتفي بهذا، بل يريد أن يوصل عمله إلى غيره ليعيش معه تجربته "فقد قيل"، مثلاً إن "غوته" حرّر نفسه من آلام العالم بتأليف "آلام فرتر"، وأنّ الشاعر دي موسيه كان يلجأ إلى الشعر لإنقاذ نفسه من الانتحار"([2])وقد حلّل "ريتشاردز" عملية التوصيل، فرآها ضرباً من الموهبة، أو هي القدرة على استرجاع تجارب الماضي، وهذه القدرة هي التي تميّز الرجل الماهر في التوصيل، شاعراً كان أو مصوّراً.([3]).
على أن نظرية "النّويهي"، لا تقف عند حدود التنفيس عن العواطف وتوصيلها فحسب، بل تتعدّاها إلى ضرورة تَمثُّل المتلقي التجربة كما عاشها الأديب بالمرارة نفسا، أو على نحو مشابه لها، ذلك أن هذا المتلقّي لا بدّ أنه يملك مُعادِلاً موضوعيّاً لها في نفسه من تجاربه الذاتية. وتجربة الشاعر أو الأديب هي التي توقظ مخزون ذاكرته من السّكون فتدفعه إلى المعايشة الوجدانية.([4])
ولهذا يدعو "النهويهي" القاريء إلى ضرورة تمثّل تجربة الأديب للحصول على المتعة والفهم، وذلك بتذكّر المواقف التي حدثت له في مراحل عمره، أو حدثت لأصدقائه وأقاربه، سواء أكانت هذه المواقف مفرحةً أو محزنةً، لأن فيها، بلا شك، ما يشبه مواقف المبدع في عمله الفني.([5]).
وهذه الدعوة شبيهةٌ بما طالب به "العقاد" الشاعر من ضرورة الصدق في التجربة الشعرية لنقلها إلى القاريء حيّةً صادقةً.
غير أن "النويهي" تجاوز هذا الطرح النظري السيكولوجي لعمليتي التنفيس والتوصيل، وما يتصل بهما من استجابة المتلقي إلى تحليل شخصيات الشعراء تحليلاً نفسيّاً بدا فيه الإسراف واضحاً، شأنه في ذلك شأن العقاد في دراسته لأبي نواس، إذ تناول هو الآخر شخصية ابن الرومي وبشّار وأبي نواس في ضوء المنحى النفسي الجسمي أو "السّيكوسوماتي" القائم على فرضيات التحليل النفسي وحقائق الطب النفسي، وتخلّلت دراساته، أيضاً، بعض الجوانب "السّيكوفنّية".
فقد حصر دراسته لابن رومي في تشخيص بعض الأمراض الجسمية والآفات النفسية التي استقرأها من شعره. وتوصّل إلى أن أشدّ ما كان يؤلم هذا الشاعر، هو إحساسه بالعجز الجنسي وبطيرته، واضطراب هضمه لضعف مَعدّته([6]).
وهذا هو الاتجاه نفسه الذي سلكه، أيضاً، في دراسة "الشخصية النواسية"؛ إذ حلّل الظواهر النفسية لهذا الشاعر، معتمداً على حقائق علم النفس وعلم الأحياء. فانتهى مثلاً، إلى أن أبا نواس كان يعاني الشذوذ الجنسي، وسبب هذا الشذوذ في تصوره، يكمن في عقدته النفسية التي تشكّلت في عقله الباطن أو اللاشعور، بسبب ما رآه في صباه من تعهّر أمه وتبرّجها؛ إذ تزوّجت بعد وفاة أبيه، وفتحت بيتها لطلاّب الهوى والمجون.([7])
ولم يكن هناك، في نظرنا، اختلافٌ جوهريٌ بين دراسة العقاد ودراسة النويهي لنفسية أبي نواس، اللّهم إلا في بعض المصطلحات والفرضيات التي انطلق منها كلّ ناقدٍ. فالأول، أقام دراسته على "النّرجسيّة" وما يتصل بها من لوازم، وشذوذٍ جنسيٍّ، وعُقدٍ نفسيةٍ، كعقدتي الإدمان والنّسب.
والثاني أقامها أيضاً على الشذوذ الجنسي وما يرتبط به من عوامل وأسباب(*) كالشعور الجنسي بالخمرة. فالدراسات إذن، تجمعهما الغريزة التي هي أساس النظرية الفرويدية وإن تفرّع التحليل إلى حالات أخرى.
ويعلّل النويهي شغف أبي نواس بالخمرة تعليلاً لا يخلو من الإسراف والاعتساف. فهو يرى أن إحساس الشاعر بالخمرة، كان إحساساً جنسيّاً، أي أن الخمرة هي التي كانت تهيج فيه الشبق الجنسي، وتثير فيه لذة المواقعة لا مواقعة النساء والغلمان، وإنما مواقعة "الخمرة" فكأنه كان يحصل على أشباعه الجنسي من الإدمان على شربها.([8])
وهذا النّهم المفرط في طلبها، كان يرضيه إرضاءً جنسيّاً، ويعوّضه لذّة المواقعة الحقيقية. وقد اتّكأ النويهي في إثبات هذه الصلة بين شرب الخمرة والغريزة الجنسية على بعض اللوازم اللفظية التي تكرّرت في شعر الشاعر وأكّدت تلك الصّلة، منها: بكر، عذراء، فتاة، وجل، المئزر، افتضاض البكارة، العذرة، افتراع..
وهنا، دلالةٌ واضحةٌ على اعتماد الناقد منهج التحليل النفسي الفرويدي، فالموضوع الجنسي بهذا المعنى، لا يقتصر على العلاقة الجنسية بين الذكر والأنثى، أو بين الذّكرين أو الانثنين، وإنما قد يتعدّاها إلى التّعويض عنها بوساطة الأشياء كمعاقرة الخمرة، وتعاطي المخدّرات.
وكان النويهي مخلصاً لمنهجه النفسي حتى في بعض اللّمحات الفنية على غرار العقاد. فقد توصّل إلى أن للشذوذ الجنسي أثراً واضحاً في فنّ الشاعر ونفسيته، وأن ثمة صلة وثيقة بين حاسّته الجنسية وحاسته الفنية.([9]) في حين حصر العقاد فنّ الشاعر في "لازمة العرض النرجسي"([10]) وهذا ما أصطلحنا على تسميته "المنحى السيكوفني".
وهذه الأمثلة المختارة، من دراسة النويهي لنفسية أبي نواس، كافية للاقتناع بأن اعتماد الناقد على شعر الشاعر، لم يكن سوى وسيلة للوصول إلى تحليل شخصية الشاعر ونفسيته وعقده، وشذوذه، وبيان أثر هذه الحالات النفسية في فنّه.
***
ولم تكن الدراسة النفسية لشخصيات الشعراء حكراً على العقاد والنويهي بل استهوت أيضاً عدداً غير قليلٍ من الأدباء والنقاد، نذكر منهم على سبيل المثال: محمد كامل -حسين في دراسته للمتنبّي وأبي العلاء المعري، وحامد -عبد القادر في دراسته للمعري أيضاً.
جـ-فقد انتهى الأول "محمد كامل حسين".

إلى قناعةٍ بأن ظاهرة "التّعقيد" في شعر المتنبّي، لم تأت اعتباطاً، وإنما هي، في تصوّره، دلالةٌ على حالةٍ نفسيةٍ معيّنةٍ؛ فهي تدل على عقليّته في شبابه، وعلى شيءٍ من الصغار في النفس، والقصور في الهمّة والكفاية، والتّباعد ما بين غناء الفتى وآماله. ولم يكن انتقال الناقد من الشعر إلى الشاعر، ومن الشاعر إلى الشعر موجّهاً إلى غرضٍ فنّيٍّ جماليٍّ يرمي إلى تحليل ظاهرة التعقيد في شعر المتنبّي، وإنما كانت وسيلة للدلالة على حالاته النفسية.([11])
وقد سلك الدارس الاتجاه نفس في دراسته لأبي العلاء المعريّ، فلزوميات هذا الشاعر على الخصوص، تحمل طابعه الشخصي، وكل ما فيها من تكلّفٍ ونَظْمٍ عجيبٍ دلالةٌ أيضاً على شخصيته ونفسيته، يقول "على أن أروع ما في أدب أبي العلاء وأعظمه دلالة على أعماق نفسه.. هو من غير شكّ اللزوميات، هذا التأليف العجيب يدلّنا على نفسيّة أبي العلاء بما لا يدل أي عمل آخر على نفسية مؤلفه".
***

([1]) النّويهي، وظيفة الأدب بين الالتزام الفنيّ والانفصام الجمالي، ص27.

([2]) ينظر، شايف عكاشة، اتجاهات النقد الأدبي المعاصر في مصر، ص127.

([3]) ينظر، ريتشاردز، أ، أ، مباديء النقد الأدبي، ص:238-239.

([4]) ينظر، النويهي، ثقافة الناقد الأدبي، ص: 337.

([5]) النويهي، ثقافة الناقد الأدبي، ص: 337-152.

([6]) النويهي، ثقافة الناقد الأدبي، ص: 337،152.

([7]) النويهي، نفسية أبي النواس، ص85.

(*) وتتصل هذه العوامل والأسباب بنوع علاقته مع النساء، وتكوينه الجسمي وتربيته النفسية، وظروفه الاجتماعية، وخصوصاً ما يسميه بـ "رابطة الأم" التي كانت سبباً في آفاته النفسية وشذوذه الجنسي واشمئزازه من النساء-1-.
-1-ينظر النويهي، نفسية أبي نواس، ص54، وما بعدها.

([8]) ينظر النويهي، نفسية أبي نواس، ص:46-47.

([9]) ينظر، النويهي نفسية أبي نواس، ص:91 وما بعدها.

([10]) ينظر العقاد، أبو نواس، ص: 128.

([11]) ينظر، حسين محمد كامل، متنوعات، ج1- ص39-42.
  رد مع اقتباس مشاركة تمت مراقبتها مشاركة محذوفة
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:57 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.1
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd diamond