العودة   شَبَكَةُ ضِفَاف لِعُلومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّة > ضفاف البلاغة والنقد > ضفة البلاغة العربية


آخر 10 مشاركات
كمكم- العروض الرقمي (الكاتـب : سحر نعمة الله - آخر رد : كمكم - )           »          تحية لهذا الموقع الرائع (الكاتـب : أشرف معروف - آخر رد : ذكـــــرى - )           »          حسين النجار (العروض الرقمي) (الكاتـب : سحر نعمة الله - آخر رد : حسين النجار - )           »          رابعة العدوية في ميدان مصر (الكاتـب : حسين النجار - آخر رد : أحمد الغنام - )           »          هشّت بكِ الدنيا ... (الكاتـب : أبوطلال - )           »          رائحة الدم (الكاتـب : سحر نعمة الله - آخر رد : حسين النجار - )           »          المكنز الكبير (معجم شامل للمجالات والمترادفات والمتضادات) - د. أحمد مختار عمر pdf (الكاتـب : عبد الرحمن النجدي - آخر رد : حسين النجار - )           »          مناظرة شعرية لدهاة الجاهلية: (الكاتـب : محمد سعد - آخر رد : حسين النجار - )           »          إعراب جمل متفقة لفظا مختلفة معنى (الكاتـب : الأحمر - آخر رد : حسين النجار - )           »          مَنْهَلُ الشُّعَراء مِنْ وَحْي سُوْرَة " يُوسُف " (الكاتـب : أحمد الغنام - )


إضافة رد
 
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 09-04-10, 08:58 PM
الصورة الرمزية محمد سعد
 
محمد سعد
إدارة شؤون المشرفين

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  محمد سعد غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقم العضوية : 22
تاريخ التسجيل : 8-8-09
الجنس : ذكر
التخصص :
العمر :
الدولة :
المشاركات : 11,007 [+]
آخر زيـارة : اليوم(01:27 AM)
عدد النقاط : 46
قوة الترشيح : محمد سعد is on a distinguished road
افتراضي الخبر والإنشاء ، اسلوب الاستفهام دراسة بلاغية

بسم الله الرحمن الرحيم
هذا بحث قيِّم أعجبني حول " الخبر والإنشاء ، اسلوب الاستفهام دراسة بلاغية للدكتور: حسين جمعة ، احببت أن أطلعكم عليه أرجو أن يكون فيه الفائدة .
أسلوب الاستفهام وبلاغته وجمالياته
ـ توطئة
يعدّ أسلوب الاستفهام أحد أساليب الإنشاء الطلبي في الجملة العربية سواء كان لهدف محدد ومباشر أم كان لتصور إيحائي جمالي غير مباشر عند المتكلم. فالاستفهام قد لا يبحث فيه المتكلم عن إجابة محددة؛ وإنما يهدف إلى تصور ما يتحدث عنه فيخرجه عن حقيقته إلى مقاصد شتى؛ ويكون بوساطة أدوات سميت بأدوات الاستفهام، تستعمل في أقسامه.
ولا مراء في أن أسلوب الاستفهام أسلوب لغوي ـ قبل كل شيء ـ وأساسه طلب الفهم؛ والفَهْم صورة ذهنية تتعلق بشخص ما أو شيء ما، أو بنسبة أو بحكم من الأحكام على جهة اليقين أو الظن. وله قسمان: حقيقي ومجازي؛ وكلاهما لقي عناية البلاغيين العرب قديماً وحديثاً(32) وتعرضوا لأغراضهما وإن لم تجتمع متكاملة كما هي لدينا.
القسم الأول: الاستفهام الحقيقي:
هو طلب العلم بشيء اسماً أو حقيقةً أو صفة أو عدداً لم يكن معلوماً من قبل، أو هو الاستخبار الذي قيل فيه: طلب خبر ما ليس عند المتكلم، أو هو ما سبق أولاً؛ ولم يفهم حق الفهم فطلب فهمه من المخاطب فإذا سئل عنه ثانياً كان استفهاماً(33). أي إن المتكلم يطلب من المخاطب أن يحصل لديه فهم دقيق عن أمر لم يكن حاصلاً قبل سؤاله عنه. وقد استعمل البلاغيون مصطلح (الاستفهام) لكليهما معاً في أدوات الاستفهام كلها، كما يأتي:
1 ـ الحروف؛ وهي حرفان:
أ ـ الهمزة:
خُصَّت بأمور لم تعرف بها بقية أدوات الاستفهام وهي:
1 ـ تحذف ولو تقدمت على (أم) أو لم تتقدمها،، فمن ذلك قول عمر بن أبي ربيعة:
فو الله ما أدري وإن كنتُ دارياً بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجمرَ أم بثمانِ؟
أراد: أَبسبع... ولم تتقدم (أم) في قول الكميت:
طَرِبْتُ وما شَوْقاً إلى البِيْضِ أَطْربُ ولا لَعِباً منِّي؛ وذو الشَّيْبِ يلعَبُ؟
أراد: أَوَ ذو الشيب يلعب؟
2 ـ تدخل على الإثبات ـ كما تقدم في الأمثلة ـ وعلى النفي كقوله تعالى: )أَلم نَشْرح لكَ صَدرك( (الانشراح 94/1).
3 ـ تتصدر الهمزة جملتها، بينما تتأخر الأدوات الأخرى عن حروف العطف مثلاً...
4 ـ تكون الهمزة للتصديق وللتصور، بينما (هل) للتصديق فقط؛ وبقية أدوات الاستفهام للتصور؛ ومن الشواهد على ذلك كله قول عدي بن زيد:
أيها الشامتُ المعيِّرُ بالدهر أأنتَ المُبَرَّأ الموفورُ؟!
والتصديق: هو طلب السؤال عن شيء حدث وقوعه أم لا؛ وتكون الإجابة عليه بكلمة (نعم) للإثبات، و(لا) للنفي؛ كقولنا: (أنجح زيد؟) وقوله تعالى: )أَأَنتَ فَعَلْتَ هذا بآلهتنا يا إبراهيم( (الأنبياء 21/62). فالتصديق إدراك نسبة الفعل بدقة، لأن المتكلم مُتَردّد بين إثبات الشيء ونفيه. ولهذا يطلب تحديد الإجابة وتعيينها، ومن ثم يمتنع ذِكْر المعادل بـ(أم)؛ فإذا استعملت الهمزة للتصديق؛ وجاء معها (أم) فهي أم المنقطعة وتكون بمعنى (بل) وكذا استعملت مع (هل). فالمتصلة لا يستغني ما قبلها عما يليها؛ عكس المنقطعة، فإذا قلنا: أنجح زيد أم عمر؟ فالسؤال عن عمرو، لأننا لأمرٍ ما كالنسيان وقع لفظ (زيد) على لساننا وهو غير مقصود... وهذا يعني أن (أَم) بمعنى (بل).
والتصور: هو إدراك المفرد؛ والاستفسار عن كيفية حدوث فعل ما؛ ويتلو همزة التصور المسؤول عنه؛ وتقترن بـ (أم) المعادلة ـ غالباً وتسمى هنا (المتصلة).
وتكون الإجابة على ذلك بتحديد الفعل، ومن قام به على وجه الدقة، على اعتبار أن المتكلم عارف بأن الحدث قد وقع لكنه لا يعرف كيفيته بدقة؛ كقولنا: (أزيد قائم أم عمرو؟) وقال الزركلي:
حُلُمٌ على جَنباتِ الشام أم عِيْدُ لا الهَمُّ همٌّ ولا التسهيد تَسْهيد؟!
لهذا كله يُسأل عن المسند إليه سواء كان مبتدأً أم فاعلاً؛ كقولنا: (أسافر زيد أم خالد؟) أو قولنا: (أزيد نجح أم محمد؟)...
ويُسْأَل بها عن المسند كقولنا: (أذاهبٌ أنت غداً إلى دمشق أم ذاهب إلى حلب؟)....
ويسأل بها عن الفَضلة؛ كالمفعُول به مثل: (أزيداً زرتَ أم خالداً؟) والحال مثل: أراكباً جئتَ أم ماشياً، والظرف مثل: (أغَداً تذهبُ أم بعده؟). ومن المفعول به قوله تعالى: )قل أالذكرين حَرَّم أَم الأُنثيين أَمْ ما اشتملت عليه أَرحام الأنثيين( (الأنعام 6/144)....
وتخرج الهمزة عن الاستفهام الحقيقي إلى الاستفهام المجازي في عدة مواضع وسنشير إليها هنا وسنفصّل القول فيها من بعدُ؛ وهي (التقرير، والتسوية، والإنكار الإبطالي والتوبيخي، والتهكم، والأمر، والتعجب والاستبطاء). وقيل: إنها ثمانية ولا صحة لغيرها، وتستعمل معها (أم) أو لا؛ ولا يحتاج الاستفهام إلى إجابة(34).
ب ـ هل:
وهو حرف وضع لطلب التصديق الإيجابي دون التصور، ودون التصديق السلبي، كما تختص بالاستقبال غالباً، وإنْ دخلت على الماضي كما في قول زهير:
فمَن مبلغُ الأَحْلافَِ عنّي رسالةً وذُبْيانَ: هل أقسمتُمُ كل مُقْسَمِ؟
ولا تدخل على الشرط، ولا على (إنَّ)، ولا على اسم بَعْدَه فعل في الاختيار. وقد تقع بعد العاطف لا قبله، وبعد (أَمْ) كقوله تعالى: )هَلْ يَسْتوي الأَعمى والبصير أم هَلْ تستوي الظلمات والنور( (الرعد 13/16) وقد يراد بها النفي فتدخل على الخبر كقوله تعالى: )هل جزاء الإِحسان إلا الإحسان( (الرحمن 55/60)، وتأتي بمعنى (قد) مع الفعل كقوله تعالى: )هل أَتى على الإنسان حِيْنٌ من الدهر( (الإنسان 76/1). وقيل غير هذا(35) وما تقدم كله يدخل في الاستفهام المجازي لـ(هل) ولا يحتاج إلى إجابة بينما الاستفهام الحقيقي الذي وضع للتصديق يحتاج إلى إجابة. وفيه تُسمى (هل) بسيطة؛ لأنه يستفهم بها عن وجود شيء في نفسه؛ و الجواب يكون بـ (نعم) للإثبات و(لا) للنفي. ولهذا لا يجوز أن تستعمل (أم) المعادلة معها؛ وإذا استعملت فهي بمعنى (بل) وتُسمّى المنقطعة؛ كقولنا: (هل نجح زيد أم عمرو؟). فالسؤال عن عمرو لا عن زيد؛ فكأن السؤال: (بل نجح عمرو؟) وكقوله تعالى: )أم لـه البنات ولكم البنون( (الطور 52/39) أي (بل ألهُ البنات...؟) وقد تستبدل (أل) بـ(هل) فنقول: أل فَعَلتَ؟ على معنى: هل؛ وهو إبدال الخفيف ثقيلاً كما في الآل عند سيبويه(36).
2 ـ أسماء الاستفهام:
أسماء الاستفهام إما مبنية وإما معربة، وتستعمل للتصوّر فقط ويحدّد فعل التصور؛ ويوضَّح بالإجابة حين يُعَيَّن المسؤول عنه. والمبنية سبعة أسماء والمعربة اسم واحد، كما هو مبين فيما يأتي.
1 ـ الأسماء المبنية:
وتبنى على حركة آخرها؛ وهي:
1 ـ ما: وتستعمل لغير العاقل؛ ويطلب بها السؤال عن معرفة حقيقة الشيء المستفهم عنه أو شرحه. فمن معرفة الحقيقة قولنا: (ما الإنسان؟ أو ما العَسْجد؟).
ومن معرفة شرح حاله أو صفته قوله تعالى: )ادعُ لنا ربَّك يبيِّن لنا ما هي( (البقرة 2/68)؛ وقوله: )ادعُ لنا ربَّكَ يبيِّنُ لنا ما لونُها...( (البقرة 2/69) وقوله: )ما تِلْكَ بيمينكَ يا موسى...( (طه 20/17) وقوله: )ما سَلَكَكُم في صَقَرَ( (المدثر 74/42). فاستعمل (ما) لم يكن فقط للدلالة على غير العاقل، وإنما أبرزت معنى المباينة الدالة على الإبداع، فهي توحي بالزجر والإنذار... أما من جهة حذف (الألف) في (ما) فإنه يقع في (ما) الاستفهامية للتفريق بينها وبين (ما) الموصولية، أي للتفريق بين الاستفهام والخبر، كقوله تعالى: )فيمَ أَنتَ مِنْ ذكراها( (النازعات 79/43). وحذف الألف مع الجر واجب، وندر إثباته إلا للضرورة الشعرية كما في قول حسان بن ثابت:
على ما قام يشتمُني لئيمٌ كخِنْزيرٍ تَمَرَّغ في دَمانِ؟!
ويجوز إثباتها في الاستفهام التعجبي على مَنْ ذهب لهذا المعنى في قوله تعالى: )فبما رحمةٍ من الله لِنْتَ لهم( (آل عمران 3/159) فهي بمعنى: فبأيّ رحمةٍ... أما من جعل (ما) في هذه الآية زائدة فقد خرج من الموضوع كله، فهي زائدة للتوكيد(37).
وإذا رُكِّبَتْ (ما) مع (ذا) لا تحذف ألفها، وتكون أداة متكاملة، كلها اسم جنس بمعنى شيء، كقول المثقب العبدي:
دَعِي ماذا عَلمْتُ؟ سأَتَّقيهِ ولكِنْ بالمُغَيَّبِ نَبِّئيني
فالجمهور أعرب (ماذا) مفعولاً به لفعل (دعي)(38). واختلف في شأن تركيب (ماذا) فمنهم من لم يرض بأن تكون كلها اسم جنس، وذهبوا إلى أن (ذا) إما موصولية وإما اسم إشارة؛ وعليه قوله تعالى: )يَسألونكَ: ماذا ينفقون؟( (البقرة 2/219).
2 ـ مَنْ: اسم يستعمل للعاقل ـ غالباً ـ ويُسْتَفسر به عن الجنس، كقوله تعالى: )قال: مَنْ يُحيي العظام وهي رميم( (يس 36/78) وكقولنا: (مَنْ سافر اليوم؟ ومَنْ فتح إفريقيَّة؟)؛ وقال حافظ إبراهيم:
مَنِ المداوي إذا ما عِلَّةٌ عرضَتْ؟ مَن المُدافعُ عن عِرْضٍ وعَنْ نَشَبِ؟!
ويجوز تركيب (مَنْ) و(ذا) لتصبح كلمة واحدة، لأن كلاً منهما مبهم، كقولنا: (منذا قابلت؟) (منذا قدَّمت وأخَّرْت؟). واختلف اللغويون في شأن ذلك؛ فمنهم من رأى زيادتها؛ ومنهم مَنْ رأى أنها موصولة(39) محتجين بقوله تعالى: )مَنْ ذا الذي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً( (البقرة 2/245).
3 ـ كم: يأتي هذا الاسم بالاستفهام وغيره؛ وهو اسم لعدد مبهم الجنس والمقدار، وهو عند ابن هشام ليس مركباً خلافاً لما ذهب إليه بعض اللغويين كالكسائي والفرّاء، ولا خلاف في اسمية الاستفهامية. و(كم) اسم استفهام مفتقر إلى تمييز منصوب، ويتصدر جملته؛ كقوله تعالى: )كم لبثتم؟ قالوا: يوماً أو بعضَ يوم( (الكهف 18/19) وكقولنا: (كم كتاباً قرأت؟). ويجوز أن تجر (كم) بحرف جر، وحينئذٍ يجر التمييز معها، كقولنا: (بكَمْ دِرْهمٍ اشتريتَ الكتاب؟) ويجوز حذف التمييز (كم مالُك؟!).
4 ـ أَيْنَ: ظرف يستفهم به عن المكان الذي حلَّ فيه الشيء كقوله تعالى: )يقول الإنسان يومئذ: أين المَفَرّ؟( (القيامة 75/10) وكقولنا: أين سافرت؟ وكقول المرقش الأكبر:
إنَّا لمِن معشرٍ أَفنى أوائِلَهم قِيْلُ الكماةِ: ألا أينَ المُحَامونا؟
ويجوز أن تسبق بحرف الجر (من) للدلالة على مكان بروز الشيء، مثل: (من أين تخرجّت؟).
5 ـ متى: المشهور فيها أنها ظرف (استفهام وشرط) والاستفهام فيها لتعيين الزمن ماضياً أو مستقبلاً؛ كقولنا: (متى سافر أحمد؟ ومتى تعود؟) وقال حافظ إبراهيم:
متى نراه وقد باتتْ خزائنه كنزاً من العلم لا كنزاً من الذَهبِ؟!
وقد وقعت حرف جر في لغة هذيل، وليس هنا الحديث عنه؛ وعن اسم الشرط.
6 ـ أيَّان: ظرف بمعنى (الحِيْن) يطلب به تعيين زمان المستقبل فقط؛ كقولنا: (أيان تسافر؟ أي في أيّ وقت).
ووقع استعماله في القرآن الكريم في غير المعنى الحقيقي، إذ وقع في التفخيم أو التهويل مثل قوله تعالى: )يسألونك عن الساعة: أَيَّانَ مُرْساها؟( (الأعراف 7/187) و(النازعات 79/42) أو في غير ذلك.
واعلم أننا حين نفسر الاستفهام على هذا الوجه إنما لأنه محض المعنى؛ ليتنبه السائل على الحقيقة فيرجع إلى نفسه ويخجل من السؤال الذي يطرحه، ثم يأتي جواب الآية ليردعهُ...(40).
7 ـ كيف: اسم يستعمل للسؤال عن الحال سواءً وقع اسماً صريحاً يُخْبَرُ به كقولنا: (كيف أنت؟) و(كيف كنت؟) أم وقع فضلة كقولنا: (كيف جاء زيد؟) ومثله قوله تعالى: )فكيف إذا جِئنا من كل أُمَّةٍ بشهيد( (النساء 4/41)، وقول الفرزدق:
إلى الله أَشكو بالمدينة حاجةً وبالشام أخرى؛ كيف يلتقيان؟
فوصف الحال ثابت في الاستفهام، وهو يدل على أن السقم والتذمر موجود ثابت فيه، وبهذا تتجلى جماليته.
8 ـ أَنَّى: يستعمل هذا الاسم للسؤال عن المكان والزمان والحال تبعاً للسياق، وتقوم مقام (أين أو متى، أو كيف). فهو بمعنى (من أين) في قوله تعالى: )يا مَرْيَمُ، أَنَّى لك هذا( (آل عمران 3/57) وكقولنا: (أنَّى تجلس؟).
وهو بمعنى (متى) في قولنا: (أنَّى تذهب؟).
وبمعنى (كيف) في قوله تعالى: )أَنَّى يحيى هذه الله بعد موتها؟( (البقرة 2/259).
والسياق يدل على أن الإلزام بمجيء الشيء بعد وصف ثابت بقدرة الله، كما تدل عليه بقية الآية(41).
2 ـ الأسماء المعربة؛ وهي اسم واحد هو (أيّ).
أيُّ: اسم استفهام يستعمل مُشدَّداً كقوله تعالى: )أَيُّكم زادَتْه هذه إيماناً( (التوبة 9/124) أي بتضعيف الياء، وقد يخفف كما في قول الفرزدق يمدح فيه نَصْر بن سيّار:
تنظَّرْتُ نَصْراً والسماكينِ أيْهُما عليَّ من الغَيْث استَهَلَّتْ مواطرُهْ
ويجوز أن يسبق بحروف قبله كقوله تعالى: )فبأيِّ آلاء ربكما تكذبان( (الرحمن 55/13).
هذا من جهة بنية الكلمة في الاستعمال، أما من جهة استعمالها اسم استفهام حقيقي فإنها تُستعمل بمعنى أسماء الاستفهام المبنية كلها تبعاً لإضافتها إلى ما بعدها... فيطلب بها تحديد شيء في أمر مشترك وعام كقولنا: (أَيُّكما أكبر سناً؟).
فالمتكلم يستفسر عن تمييز شيء مشترك بينهما وهو كبر السن، ولكن أحدهما زاد في العمر على الآخر؛ ولهذا يطلب التحديد.
ويكتسب الاسم (أي) دلالته من إضافته، فالإضافة توضح في أيٍّ من معاني الاستفهام استعمل، كقولنا: (أيُّ الطلاب عندك؟) كأننا نسأل: (مَنْ من الطلاب عندك؟)... أو (أَيَّ يوم تسافر؟) كأننا نسأل: (متى تسافر؟) وكقوله تعالى: )أيُّكم يأتيني بعرشها( (النمل 27/38)، أي (مَنْ منكم)؟ فأي الاستفهامية تضاف إلى المعرفة وإلى النكرة، وقد تقطع عن الإضافة نحو: (أيٌّ جاء؟) و(أيَّاً أكرمتَ؟).
فالصلة الجمالية بين أُسلوب الاستفهام الحقيقي وبين الجمال إنما تتحقق بالتفاعل الواقعي مع الصفات والأفكار على مستوى الطابع الفكري والاجتماعي والنفسي وفق منظور الموضوع الحقيقي الذي يرتبط بنوعية الطلب ووظيفته. فالمحتوى يفصح عن حقائق ومدركات تنهض بالصياغة الجمالية بوساطة الاستفهام الحقيقي، على حين تغدو صياغة بعيدة عن المباشرة في أساليب الاستفهام المجازية، وهو ما نراه فيما يأتي.
القسم الثاني: الاستفهام المجازي
أبرز البلاغيون العرب في الدراسات الأدبية والقرآنية أن أدوات الاستفهام لا تتوقف عند المعاني الأصلية التي ينتهي إليها أسلوب الاستفهام الحقيقي الذي يتطلب إجابة محددة. ولكن الاستفهام قد لا يبحث عن إجابة محددة؛ وإنما يبحث عن تصور ما للمتكلم دون أن يستفسر عن شيء؛ وبهذا يخرج أسلوب الاستفهام إلى أسلوب مجازي لا يطابق في دلالته المجازية الدلالة الحقيقية فيصبح بمعنى الخبر، لا بمعنى الإنشاء(42).
وحين يخرج الاستفهام إلى أسلوب مجازي إنّما يؤدي ظاهرة جمالية وبلاغية لا تعرف في الأسلوب الحقيقي الذي يسأل به المتكلم عن شيء معروف ومشهور، أو عن معنى يفهم من السياق؛ ويتوجه فيه المتكلم إلى نفسه قبل أن يتوجه به إلى الآخرين.
وإذا كان البلاغيون قد اختلفوا في عدد المعاني التي خرج إليها أسلوب الاستفهام فإن الأسلوب المجازي يعتمد على السلائق والذوق والسياق والقرائن التي يدور حولها الكلام... ونرى أنه لا يحصر الأسلوب المجازي للاستفهام بمعنى أو بمعانٍ محددة؛ وإن اتجهت الدراسات البلاغية القرآنية اتجاهاً قد لا يتطابق مع الدراسات البلاغية الأخرى(43). فالتراث البلاغي حضور متفاوت في الذهن البشري، ونوع معرفي غير ثابت. ولهذا سنسوق أساليب الاستفهام المجازية المشتركة بين تلك الدراسات ثم نبيّن بعض الفوارق عند عدد من دارسي أساليب الاستفهام في القرآن الكريم، لا على سبيل التضاد بل على جهة الاستدلال للوصول إلى معرفة جمالية نوعية بأساليب البلاغة كلها...
1 ـ التقرير:
التقرير هو الإثبات مع الوضوح؛ وكذلك هو الإثبات مع التسليم... وهو لا يحتاج إلى جواب في الاستفهام المجازي؛ لأنه يقرر فكرة من الأفكار؛ يحمل المخاطب على الإقرار بها؛ وبمعنى آخر السؤال نفسه جواب ثابت. ويستعمل في هذا الأسلوب الفعل المنفي المسبوق ـ غالباً ـ بهمزة الاستفهام؛ وإن جاز استعمال الأدوات الأخرى ـ كقوله تعالى: )أَلَمْ يجدك يتيماً فأوى( (الضحى 93/6) والمعنى (وجدك) وقوله: )أَلَمْ يَجْعَل كَيْدَهم في تضليل( (الفيل 105/3) أي (جعل كيدهم...) وقوله: )ألم نشرح لك صدرك( (الانشراح 93/1) وقال البحتري:
أَلسْتَ أَعَمَّهمْ جوداً وأَزكا إذا ما لم يكُنْ للحَمْدِ جابِ؟
فالهمزة إذا دخلت على نفي؛ فإنه لا يراد معنى النفي بل يراد تقرير ما بعده. وهذا يختلف كثيراً عن الأسلوب الآتي في الإخبار والتحقيق،(45) كما أنه يختلف كثيراً عن الاستفهام الحقيقي الذي يحتاج إلى جواب.
2 ـ الإخبار والتحقيق:
الإخبار هو الإعلام بالشيء، ويستعمل لإثبات أمر ما؛ لذا ارتبط بالتحقيق في أسلوب الاستفهام لأنه يتجه إلى إطلاع السامع أو تثبيت خبر لديه، أو أنه يرمي إلى كليهما معاً كقوله تعالى: )ألا إنهم هُم المفسدون ولكن لا يشعرون( (البقرة 2/12) وقوله: )ألم نُرَبِّكَ فينا وليداً( (الشعراء 26/18) والمعنى (إننا قد ربيناك فينا وليداً)؛ على حين دَلَّت في الشاهد الأول على التحقق لما بعدها والتنبيه عليه (ألا إنهم...)(46) ويستعمل فيه ـ غالباً ـ (همزة الاستفهام) ـ كما ورد في الأمثلة السابقة ـ وكذلك يستعمل فيه (هل) كما في قوله تعالى: )هل أتى على الإنسان حِيْن من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً( (الإنسان 76/1)؛ والمعنى (قد أتى على الإنسان)(47). وقد تستعمل الهمزة مع لفظ (حقّ ـ حقاً) أو تستعمل مع النفي الذي يراد منه الإخبار والتحقيق؛ فهذا عَبْدُ يغوثَ يستعملها مع (حقاً) في قوله:
أَحقّاً عبادَ اللهِ أَنْ لستُ سامعاً نَشيدَ الرِّعَاءِ المُعْزبين المَتَاليا
ومن استعمالها مع النفي قوله تعالى: )أَليسَ ذلك بقادرٍ على أن يُحييَ الموتى( (سورة القيامة 75/40).
ولما كانت لها هذه الرتبة من التحقيق مع النفي ندر أن تقع جملة بعدها إلا صُدِّرَتْ بما يتلقى به القسم على نحو ما؛ كقول حاتم الطائي:
أَمَا والذي لا يعلمُ الغيبَ غيرُهُ ويُحيي العظامَ البِيضَ وهيَ رَميمُ؟
ومثله قول صخر الهذلي:
أَمَا والذي أَبكى وأَضْحَكَ والذي أَماتَ وأَحيا والذي أَمْرُهُ الأَمْرُ؟
فالمعنى الذي يرمي إليه المتكلم في الاستعمال المجازي لأسلوب الاستفهام يتجه إلى معنى المعنى وفق ما يتطلبه السياق، لا وفق ما تبنى عليه الكلمات في التركيب النحوي، وبذلك يتركز مفهوم الجميل...
3 ـ التسوية:
اختص أسلوب التسوية باستعمال (الهمزة) مع (أم) المعادلة؛ لأن الهمزة تستعمل للتسوية في الدلالة بين ما قبل (أم) وما بعدها، والجملة بعد الهمزة يصح حلول المصدر محلها... وتوهم غير باحث أنها تستعمل فقط مع (سواء) كما في قوله تعالى: )سواء عليهم أَأَنْذَرْتَهم أم لم تُنذرهم لا يُؤمنون( (البقرة 2/6). ودليل رأينا أنها تستعمل مع (ما أدري) ونحوه، قول الفرزدق:
وواللهِ ما أدري، أجُبْنٌ بجَنْدَلٍ عن العَوْدِ أم أعيت عليه مضاربُهْ؟
ونستدل على ذلك أيضاً بقوله تعالى: )وإن أَدْري أَقريبٌ أَمْ بعيدٌ ما توعدون( (الأنبياء 21/109). وتستعمل كذلك مع تركيب (ما أبالي) ونحوه؛ كقول المتنبي:
ولسْتُ أُبالي بعْدَ إدراكيَ العُلَى أَكان تُراثاً ما تناولتُ أَمْ كَسْبَا؟
ومع (ليت شعري، وليت علمي) ونحوهما(48)، على اعتبار أن الصياغة تتصل بصور من التوازن والتنسيق بنسبة جمالية تؤكد الوعي الجمالي بالشكل والمضمون؛ ومنه قول الفرزدق:
أَلا ليتَ شعري ما أرادت مُجَاشِعٌ إلى الغَيْطِ أَمْ ماذا يقول أَميرُها؟
وقد يُمْزَج أسلوب التسوية بالتهكم والهجاء كما في قول حسان بن ثابت:
وما أُبالي أَنَبَّ بالحَزْنِ تَيْسٌ أمْ لحَاني بظهرِ غَيْبٍ لئيمُ
فجمالية هذا الأسلوب إنما تنبثق من شبكة العلاقات المعنوية بين الكلمات، وهي تؤسس سياقات ومقاصد يجتهد المتكلم في إيصالها إلى المخاطب دون حاجة إلى ردٍّ أو جواب.
يتبع إن شاء الله

رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
 
قديم 09-04-10, 09:01 PM   رقم المشاركة : ( 2 )
محمد سعد
إدارة شؤون المشرفين

الصورة الرمزية محمد سعد

الملف الشخصي
رقم العضوية : 22
تاريخ التسجيل : 8-8-09
الجنس : ذكر
التخصص :
العمر :
الدولة :
المشاركات : 11,007 [+]
آخر زيارة : اليوم(01:27 AM)
عدد النقاط : 46
قوة الترشيح : محمد سعد is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

محمد سعد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: الخبر والإنشاء ، اسلوب الاستفهام دراسة بلاغية

4 ـ العَرْضُ والحضّ:
هذان أسلوبان متماثلان؛ وإن زاد أحدهما على الآخر في المعنى؛ فالعَرْضُ: طلب الشيء بِلين، والحَضُّ: طلبه بقوة مرة بعد مرة؛ ويستعمل فيهما الهمزة مع (لا) فتصبحان (أَلاَ) وهما كالاسم الواحد؛ والطلب لا يراد منه الإجابة (بنَعم) أو (لا) وتختص بالفعل، ومن العرض قوله تعالى: )ألا تحبون أن يغفر الله لكم( (النور 24/22)؛ أما قول الشاعر عمرو بن قَعَّاس المرادي فعلى تقدير فعل محذوف:
أَلا رَجلاً جزاهُ اللهُ خَيراً يَدُلُّ على مُحَصِّلَةٍ تُبيتُ؟
أي "أَلاَ تُرُونني رجلاً هذه صفته، فحذف الفعل مدلولاً عليه بالمعنى"، وقيل قول آخر(49).
ومن الحض قوله تعالى: )أَلا تقاتلون قوماً نَكَثُوا أَيمانَهم( (التوبة 9/13). فهو يحثهم على القتال؛ أي (قاتلوهم)؛ وكذلك قوله تعالى: )أَنِ ائتِ القومَ الظالمين* قومَ فرعون؛ أَلاَ يتقون( (الشعراء 26/10 ـ 11)؛ أي (ائتهم وأمرهم بالتقوى).
إن فنيات التعبير وأشكاله الجمالية ماثلة في جوهر استعمال اللفظ وفق نظام مثير ودقيق ومتناسب النسق مع السياق دون أن يتخلى عن بنيته، ولو تعدد، كاتحاد همزة الاستفهام بـ (لا)(50).
5 ـ الإرشاد والتوجيه والتذكير:
هذه معانٍ ثلاثة تجتمع في سياق بلاغي واحد في أسلوب الاستفهام المجازي. فهنا يراد بالاستفهام الإرشاد والتوجيه إلى أمر غير الذي تعوّده المتكلم أو السامع كما في قوله تعالى: )قالوا: أتجعل فيها مَنْ يُفْسِد فيها ويَسْفِك الدماء( (البقرة 2/30). فالملائكة رأوا الجن يسفكون الدماء في الأرض ويفسدون فيها؛ لهذا خاطبوا الله ـ سبحانه ـ لما قرر أن يجعل بني آدم فيها؛ فتوجهوا إليه بالسؤال ليرشدهم عن أمر بني آدم؛ أم أن شأنهم سيكون شأن الجن؛ فكان قول الله سبحانه وتعالى: )قال: إني أعلم ما لا تعلمون( (البقرة 2/30). ولما كان سؤالهم سؤال توجيه وإرشاد لم يستكبروا أن يسجدوا لآدم، بعكس إبليس الذي عصى أَمْرَ ربه، كما يستدل عليه من قوله تعالى: )وإذ قلنا للملائكة: اسجُدوا لآدم فسَجدوا إِلاَّ إبليسَ أبى واستكبر وكان من الكافرين( (البقرة 2/34).
فالاستفهام المجازي يدل على السياق، وقد خرج إلى لطائف بلاغية جميلة وموحية؛ كما نجده في معنى التذكير الذي ينطوي عليه قوله تعالى: )أَلمْ يَجِدْكَ يتيماً فآوى( (الضحى 93/6) وغير ذلك من المعاني مما يدخل تحت هذا العنوان، (51) أو تحت عنوانات أخرى تجتمع في شاهد واحد، لأنه يؤوّل على غير معنى.

6 ـ الاستئناس والإفهام:
استعمل هذا الأسلوب في القرآن الكريم؛ وهو يجمع بين (الاستئناس) و(الإِفهام) معاً؛ لأنهما يرادان لذاتهما في شكل استفهامي مجازي لا يقصد منه الإجابة؛ لكنه يشي بجمالية عالية في الإيحاء. ويُفْهم من قوله تعالى: )ما تلك بيمينك يا موسى( (طه 20/17). فموسى كان يستأنس بعصاه ويستعملها لغاياته الخاصة؛ وحينما أَلقاها بأمر الله )فإذا هي حيَّةٌ تسعى( (طه 20/20) فَدبَّ الرعب في نفسه، فهَدَّأ الله روعه في قوله: )قال: خُذْها ولا تَخَفْ سنُعيدُها سِيْرتها الأولى( (طه 20/21) أي نُرجعهُا إلى مبدئها الذي عرفه موسى وهو العصا غير المؤذية؛ وإنما المؤنسة... ومن ثم ليبيّن لـه الله أنه قادر على أن ينصره؛ ويفعل ما يشاء. فجمالية الاستئناس والإفهام تظهر في نَسقية السياق مراعاة لمقتضى الحال؛ أي أن السياق وحده قد أوضح أن الاستفهام المجازي في قوله )ما تلك...( وهو وحده الذي يفرض التحليل الدلالي والبلاغي(52). فالسائل في الاستفهام الحقيقي يسأل عما يعلم وعما لا يعلم، ويحتاج إلى جواب؛ أما في الاستفهام المجازي فيتجه الكلام إلى استبطان الجواب في السؤال نفسه.
7 ـ التشويق:
التشويق من جنس الشَّوْق؛ وهو حمل النفس على النزاع إلى الشيء؛ وتهييجها إليه. ولهذا قد يأتي الاستفهام لجذب النفوس وشدها إلى أمر حدث من قبل؛ أو أمر يكون فيه خير، فيستعمل لتصور ذلك كله؛ كما في قوله تعالى: )يا أيها الذين آمنوا: هل أَدُلَّكُم على تجارةٍ تُنْجيكم من عَذابٍ أَليم( (الصف 61/10). فالمؤمنون يتشوقون إلى معرفة: ما التجارة التي تنجيهم بالسؤال (هل أدلكم)؟ ثم جاءت الآية التالية لتفسير تلك التجارة وإراحة النفس من عواطفها الفياضة وفضاءاتها الفكرية بقوله تعالى: )تؤمنُوْنَ بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأَنفسكم، ذلكم خَيْر لكم إنْ كنتم تعلمون( (الصف 61/11).
فالسياق في النص وحده من يكشف عن الجمالية الفنية للاستفهام المجازي، وكذلك نجده في قوله تعالى: )قال: يا آدمُ؛ هَلْ أَدُلك على شجرة الخُلدِ ومُلْك لا يَبْلى( (طه 20/120). فالشيطان وسوس لابن آدم وشوقه إلى شجرة الخلد بالسؤال (هل أدلك...). وهذا التشويق جعله يزلّ؛ ويتبع غواية الشيطان؛ فكان أن عصى ربه فأهبطه إلى الأرض.
ومن هنا تُصبح الرؤية الجمالية للإمام عبد القاهر الجرجاني أساس انبثاق رؤىً أخرى... فالانسجام والتناسب بين عناصر الجملة يستندان إلى علاقة الجوار والاختيار التي تحقق شرف منزلة المعنى، فالألفاظ لا تتغير إلا بالتأليف أو ما سماه الجرجاني نظرية (النظم) (53).
8 ـ الأمر:
يخرج الاستفهام إلى أسلوب مجازي يسمى الأمر؛ فيزيده إيحاءً جمالياً، لأن المقصود ليس الاستفهام الحقيقي كما في قوله تعالى: )فهل أنتم منتهون( (المائدة 5/91) أي (انتهوا)، وقوله: )فهل أنتم مسلمون( (هود 11/14) أي (أسلموا)... وهذا نحو قوله تعالى في آل عمران (3/20): )أَأَسلمتم؟( أي (أَسلموا)؛ وكقوله تعالى: )وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله( (النساء 4/75) أي (قاتلوا في سبيل الله)(54). فالعبرة من هذا الاستخدام إنما هو في التركيب الذي يجسد أمراً غير حاصل وقت الطلب بأسلوب الاستفهام. ولهذا يصبح التركيب كالكلمة الواحدة؛ ما يكسبه جمالاً فريداً؛ وبلاغة موحية.
9 ـ النفي:
كثر خروج الاستفهام إلى النفي في كلام العرب وأشعارها، وفي القرآن... ولعل هذا الأسلوب يثير المتلقي على جمالية من نوع بلاغي جديد وبديع كقوله تعالى: )مَنْ يغفر الذنوب إلا الله( (آل عمران 3/135) أي (لا يغفرها إلا الله)... وكقوله: )من ذا الَّذي يَشْفعُ عنده إِلا بإذنه( (البقرة 2/255) أي (لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه). وكقوله: )هل جزاءُ الإِحسان إِلا الإحسان( (الرحمن 55/60) أي (ما جزاء الإحسان إلا الإحسان)(55) وقال أبو تمام:
هلِ اجتمعتْ أَحياءُ عدنانَ كُلُّها بمُلْتَحمٍ إلا وأنت أَميرُهَا؟
فلم تجتمع بطون عدنان في مكان لقتال إلا كنت أميرها. ومثله قول الشاعر:
هلِ الدَّهْرُ إلا سَاعةٌ ثم تَنْقضي بما كان فيها من بَلاءٍ ومن خَفْضِ؟
أراد: ما الدهر... ودليل النفي في الشاهدين انتقاضه بإلا؛ ومثله قول البحتري:
هلِ الدهر إلا غَمْرةٌ وانجلاؤها وَشِيكاً وإلا ضَيْقةٌ وانفراجُها؟
10 ـ التمني:
هذا أسلوب آخر في أساليب الاستفهام كثر في كلام العرب وفي القرآن الكريم كقوله تعالى: )فهَل لنا من شُفَعاءَ فيشفعوا لنا( (الأعراف 7/53) فالذين خسروا أنفسهم يتمنون أن يُرَدُّوا إلى الدنيا ليعلموا غير الذي عملوه، ولكن هيهات لهم الرجوع(56). فما استعمل أسلوب التمني الحقيقي بل استعمل الاستفهام؛ فجاء الأسلوب أعلى إيحاء.... وعليه أيضاً قول أبي العتاهية في مدح الأمين:
تذكًّرْ أمينَ اللهِ حقّي وحُرْمَتي وما كنتَ تُوليني لعَلَّك تذكرُ
فمَن ليَ بالعَيْنِ التي كنتَ مَرَّةً إليَّ بها في سَالفِ الدَّهرِ تُنْظرُ؟
فالاستفهام خرج إلى التمني لإنزال الممكن منزلة المستحيل؛ لإعلاء مكانة الممدوح لأن غيره لا يستطيع فعله الذي أنفذه مع الشاعر. ومثله في التمني قول الشاعر:
ألا عُمْرَ ولَّى مُسْتطاعٌ رجوعُهُ فَيَرْأَبَ ما أثْأََتْ يدُ الغَفَلاتِ؟
فقد نَصب الشاعر فعل (يرأب) لأنه جواب تمنٍّ مقرون بالفاء... وهيهات أن يرجع العمر الذي ذهب إلى رجعة... إذ أفسدت يد الغفلات ذلك...(57) فاللغة البلاغية في هذا الأسلوب وغيره تنسلخ من معيارتها النحوية إلى طريقة أسلوبية موحية ومثيرة لا تنشغل ببنية الظاهرة اللغوية الجمالية لذاتها ولكنها في آن معاً تغوص في العلاقات الكامنة فيها.
11 ـ النهي:
يخرج أسلوب الاستفهام إلى النهي عن فعل شيء ما كقوله تعالى: )أَتَخْشَونهم؟ فالله أَحَقُّ أَنْ تخشَوه إن كنتم مؤمنين( (التوبة 9/13) وأراد (لا تخشوهم)؛ بدليل قوله تعالى: )فلا تَخْشَوا الناس واخْشَوْنِ( (المائدة 5/44). ومن أسلوب الاستفهام للنهي قوله تعالى: )يا أيها الإنسانُ: ما غَرَّك برَبِّك الكريم؟( (الانفطار 82/6). أراد (لا تغتر بالله ورحمته(58) واعمل لأخرتك)... وهذا يوضحه سياق سورة الانفطار ولا سيما الآية الأخيرة التاسعة عشرة )يومَ لا تملك نفسٌ لنفس شيئاً(. فالسياق في أسلوب الاستفهام السابق غير محايد ويصبح متمماً لدلالة المنهي عنها في بُعد إيحائي يعبر عن رمزية اللغة؛ باعتبار ما تحمله من وظائف بلاغية وفكرية.
12 ـ التعظيم والتفخيم:
اللفظان كلاهما بمعنى واحد؛ وهو الإجلال والإكبار والتقدير. ويستعمل الاستفهام المجازي في هذا السياق الدلالي على نحو كبير..... فهذا المقصد البلاغي من الأساليب الجمالية المثيرة في الدراسات البلاغية وفي أغراض القول... فالتعظيم والتبجيل والتفخيم يرمي إليها المتكلم بأسلوب لفظي مباشر، وبأسلوب الاستفهام الحقيقي، ولكنه في الاستفهام المجازي يحمل طبيعة جمالية خاصة؛ كقول العَرْجِي مفتخراً بنفسه:
أَضَاعوني وأَيَّ فتىً أضَاعوا ليومِ كريهةٍ وسَدادِ ثَغْرِ؟
فالشاعر رفع من شأنه وأوضح أن العشيرة خسرت به رجلاً عظيماً في الشدائد. وجمع المتنبي في مديح كافور الإخشيدي بين تعظيمه وبين استنكاره لارتياب الأعداء فيما خصّه الله على يديه من النصر والحظ السعيد:
أتلتمسُ الأعداءُ بعد الذي رَأَتْ قيامَ دليلٍ أو وضوحَ بيانِ؟
وفي التعظيم والإجلال الذي ورد في الرثاء يقول المتنبي مظهراً ما كان للمرثي في حياته من صفات السيادة والشجاعة والكرم؛ ما جعل الشاعر يتحسر عليه ويتفجع لفقده:
مَنْ للمحافلِ والجحافلِ والسُّرَى فقدَتْ بفَقْدكَ نَيّراً لا يطلعُ
ومن اتخذْتَ على الضُّيوفِ خَليفةً ضاعوا ومِثلُكَ لا يكاد يُضَيِّعُ؟
فالأسلوب ـ هنا ـ أضفى على اللغة قدرة على التأثير فيما عبَّر عنه من المشاعر والأحاسيس. وكذلك خرج أسلوب الاستفهام المجازي في القرآن إلى معنى التعظيم والتفخيم في قوله تعالى: )يسألونك عن الساعة أيّان مُرْساها( (النازعات 79/42) وفي قوله: )وما أدراك ما يوم الدين* ثم ما أدراك ما يوم الدين( (الانفطار 82/17 ـ 18). وتؤكد الآية التاسعة عشرة من (الانفطار) معنى الاستعظام )يوم لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً؛ والأَمْرُ يومئذٍ لله(. وكذلك نرى التفخيم في عدد غير قليل من آيات القرآن الكريم(59)؛ والتي نحس بها قدسية الجوهر في منابعه الكونية التي تشعرنا بالوظيفة الإنسانية لإعادة صياغة الحياة، فضلاً عن التعظيم المؤسس في البنية اللغوية والبلاغية... ونجد نحواً من ذلك في قول ابن هانئ الأندلسي:
مَنْ منكم الملِكُ المطاعُ كأنَّه تحتَ السَّوابغِ تُبَّعٌ في حِمْيرُ؟
فهو يخاطب الجنود مستفسراً ومستعظماً: من منكم الملك الذي لـه من القوة والسلطان ما لممدوحه؛ وكأنه في ساحة المعركة ملك من ملوك اليمن (قبيلة حمير). فامتلاك الشاعر للغته الذاتية تجسد في حسه المدرك طريقة توزيعه للكلمات في المواقع التي تشعرنا بوظيفتها البلاغية المتجهة إلى التعظيم والإجلال.
13 ـ التهويل:
التهويل في اللغة: هو التخويف الشديد والتفزيع مع تعظيم شأن المُهَوَّلِ منه؛ وتعجيبه، ومثله التهاويل. ولعل هذا الأسلوب الاستفهامي المجازي من أعظم أنماط التصوير الإيحائي في القرآن الكريم سواء ورد في مشهد يوم القيامة أم في غيره(60)، وعليه قوله تعالى: )القارعةُ* ما القارعة*، وما أدراك ما القارعة( (القارعة 101/1 ـ 3)، وقوله: )هل أتاك حَديثُ الغاشية* وجوه يومئذ خاشعة( (الغاشية 88/1 ـ 2).
ويعدُّ استعمال أداة الاستفهام (ما) المبهمة في الدلالة من أعظم الاستعمالات في هذا المقام؛ وهي ذات إيحاء بديع في التأثير كما في قوله تعالى: )وما أدراك ما يوم الفصل؟( (المرسلات 77/14). فسياق النص القرآني يبرز عظمة التصوير الذي يجسد الخوف في نفوس المكذبين بيوم القيامة كما تدل عليه الآيات الآتية )إنَّما تُوعَدُون لواقع* فإذا النجوم طُمست* وإذا السماء فُرِجَتْ* وإذا الجبال نُسِفت* وإذا الرُّسل أُقِّتَتْ* لأيِّ يوم أُجِّلَتْ* ليوم الفَصْل* وما أدراك ما يوم الفَصْل* ويلٌ يومئذٍ للمكذّبين( (المرسلات 77/7 ـ 15) فالتعظيم والتهويل لم ينحصر في الاستفهام (لأي يوم أُجِّلتْ) أو (ما يوم الفَصْل؟)؛ وإنَّما كان السياق يقوي ذلك ويوضحه(61). وعليه قول ساعدة بن جؤية في وصف نتائج معركة وقد تركت وراءها إما رجلاً حزيناً على قتلاه، وإما رجلاً يتجرع حسرات الموت في آخر حياته يعاني من عطش شديد:
ماذا هنالك من أَسْوانَ مكتئب وساهفٍ ثمِلٍ في صَعْدَةٍ حِطَمِ؟!
فالجمال البلاغي يقوم على التناغم بين سياقات الأسلوب وموازاة الحالة النفسية والفكرية للمخاطب؛ فالتشكيل الجمالي إنما هو تشكيل نفسي فكري واجتماعي يرتفع عن الحالة الزمانية المؤقتة...
14 ـ التكثير للتعظيم أو التهويل:
ربما لجأ الشعراء والعرب إلى الاستفهام المجازي الذي يدل على التكثير للتعظيم أو التهويل في أي معنىً من المعاني، أو صورة من الصور فتتعدد الإيحاءات وتعظم كقول المتنبي:
يَفْنَى الكلامُ ولا يحيط بوصفكُمْ أَيحيطُ ما يَفْنَى بما لا يَنْفَدُ؟
فالشاعر يستكثر من فضل ممدوحه ويعظّم شأن ذلك فهو لكثرته لا ينفد(62). وقد استكثر أبو العلاء المعري من مات من البشر حتى أصبحت أجسادهم جزءاً من التراب الذي ندوسه. فدل كل منهما على أن الشاعر يدرك واقعه جمالياً بمثل ما يدركه فكرياً؛ فيقول المعري:
صَاحِ هَذي قبورُنا تَمْلأُ الرَّحْـ ـبَ فأَين القبورُ من عَهْد عادِ؟!
خَفِّفِ الوَطْءَ ما أَظنُّ أَديْمَ الأ رض إلا من هذه الأَجساد
فالمعري حين استكثر قبور الموتى، جعل الأرض مقبرة؛ داعياً الإنسان إلى التواضع والعفو والمسامحة. ولذا فإن جمالية الفن لم تسقط في المباشرة والوعظ التقريري، وعليه أيضاً قول الشاعر:
كمْ مِنْ دَنِيٍّ لها قد صِرْتُ أَتبعُهُ؟ ولو صَحا القلبُ عنها كان لي تَبَعَا
  رد مع اقتباس مشاركة تمت مراقبتها مشاركة محذوفة
قديم 09-04-10, 09:46 PM   رقم المشاركة : ( 3 )
عربية
إدارة شؤون الأعضاء

الصورة الرمزية عربية

الملف الشخصي
رقم العضوية : 755
تاريخ التسجيل : 1-3-10
الجنس : أنثى
التخصص : لُغَة عَرَبِيَّة (نَحْو)
العمر :
الدولة : مِنْ منبتِ الشُّمِّ الذي يَسْري بعطْرِهمُ المَثَلْ
المشاركات : 12,793 [+]
آخر زيارة : يوم أمس(11:34 PM)
عدد النقاط : 30
قوة الترشيح : عربية is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

عربية غير متواجد حالياً

افتراضي رد: الخبر والإنشاء ، اسلوب الاستفهام دراسة بلاغية

ما شاء الله تبارك الله
نافذة تفوق الروعة بحد ذاتها
بوركت أستاذي و سلمت
دمت في رعاية المولى

هل أعجبتك هذه المشاركة ؟
توقيع » عربية
فيها البَيان وفيها الحُسنُ مؤتلقُ .. أبهى اللّغاتِ جَمالٌ فيكِ يتَّسقُ
تصفَّحْ كِتابَ اللهِ
اذكر الله وأنْت على الشّابِكَة
  رد مع اقتباس مشاركة تمت مراقبتها مشاركة محذوفة
قديم 10-04-10, 10:41 PM   رقم المشاركة : ( 4 )
أماريج
ضفافي متواصل


الملف الشخصي
رقم العضوية : 701
تاريخ التسجيل : 14-2-10
الجنس : أنثى
التخصص : لم يتم التحديد
العمر :
الدولة :
المشاركات : 56 [+]
آخر زيارة : 13-04-10(12:46 AM)
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : أماريج is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

أماريج غير متواجد حالياً

افتراضي رد: الخبر والإنشاء ، اسلوب الاستفهام دراسة بلاغية

بوركت أستاذنا الكريم وبوركت جهودك القيمة

كل التقدير لك.
  رد مع اقتباس مشاركة تمت مراقبتها مشاركة محذوفة
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:32 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.1
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd diamond